قضية المطلوبين للقضاء بتهمة تنفيذ جرائم إرهابية، والمتوارين عن الأنظار في عين الحلوة، لم تشهد تطورات عملية بعد، رغم الموقف الذي أعلنته عصبة الأنصار، والمتعلق بتحريم قتال الجيش اللبناني. فهل تبدأ القوة الأمنية المشتركة عملها بحل هذه القضية؟


حسن عليق
يلمس زائر مخيم عين الحلوة وجود قرار بإنهاء ما يوصف بـ«بقايا فتح الإسلام»، المطلوبين للقضاء اللبناني بتهم تنفيذ هجمات ضد الجيش في الشمال واليونيفيل في الجنوب. ويبدو القرار مشتركاًَ بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني وسوريا، وصولاً إلى الدول المشاركة في قوات اليونيفيل، وعلى رأسها الدول الأوروبية.
قادة الفصائل الفلسطينية يجمعون على ضرورة إنهاء هذا الملف الذي يمكن أن «يستهدف عاصمة الشتات الفلسطيني». كذلك فإن إقفال الملف قد يفتح طريقاً لحل قضية مئات المطلوبين من المخيم الذين لا يغادرونه لأن القضاء اللبناني يلاحقهم بتهم مستندة إلى معلومات مخبرين، ويتعلق معظمها بحمل أسلحة وإطلاق نار في الهواء.
أما الجيش، فيؤكد عدد كبير من ضباطه أنه «لن يسمح بأن يمضي المسؤولون عن قتل أفراده في تفجيرات الشمال من دون تقديمهم إلى العدالة»، فضلاً عن عدم قبوله بأن يبقى هؤلاء في عين الحلوة مشكّلين تهديداً لأمن المخيم والمحيط اللبناني، وتالياً للجيش وطريق المقاومة واليونيفيل.
ومن سوريا، عاد مسؤولون عسكريون وأمنيون لبنانيون بقناعة مفادها أن دمشق ترى في الحركات المتشددة خطراً على أسس النظام، وهي التي ألحقت بالشعب والأمن السوريين ضربة موجعة من خلال تفجير دمشق الأخير.
وأبعد من سوريا وأقرب، فإن قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب سلّمت مديرية استخبارات الجيش قبل نحو شهرين لائحة تضم أسماء 18 شخصاً، معظمهم في عين الحلوة، وعلى رأسهم عبد الرحمن عوض، مؤكدة وجود علاقة مباشرة لهم بالهجمات التي تعرضت لها دورياتها في الجنوب خلال العامين الماضيين. وفضلاً عن ذلك، رجّحت معلومات استخبارية أن يكون للمجموعة ذاتها علاقة بالتفجير الذي استهدف سيارة تابعة للسفارة الأميركية في الكرنتينا بداية عام 2008.
عنوان حل القضية اليوم هو توقيف عبد الرحمن عوض، الذي تؤكّد المعلومات التحقيقية والاستخبارية أنه أمير «فتح الإسلام» منذ اختفاء شاكر العبسي. مسؤولو الفصائل الفلسطينية الذين سألتهم «الأخبار» عن مكان وجود عوض يجيبون بأنهم غير قادرين على تأكيد بقائه في المخيم أو خروجه منه. وحده تنظيم «أنصار الله» أكّد قبل نحو 10 أيام أن عوض خرج من المخيم. وأوضح المسؤول العسكري في التنظيم ماهر عويد لـ«الأخبار» سبب التصريح المذكور، قائلاً: «قبل نحو 25 يوماً، وصلتنا معلومات عن أن زوجة عوض تلقت اتصالاً من شخص أبلغها أن زوجها موجود في مكان آمن خارج المخيم». وأضاف عويد: هذه المعلومات معطوفة على رغبتنا بتخفيف الضغط الإعلامي دفعتنا إلى قول ما ذكِر.
إلا أن ما قاله مسؤولو «أنصار الله» أخذ أبعاداً أخرى. فقد ورد إلى فرع المعلومات تقرير يتحدّث عن صفقة رتّبها التنظيم المذكور بين «عصبة الأنصار» والأمن السوري، تنصّ على تسليم عوض إلى سوريا مقابل أن تفرج الأخيرة عن موقوف لديها، هو أحد أبناء الأمير السابق للعصبة (أحمد عبد الكريم السعدي الملقّب بـ«أبو محجن»). لكن قادة «أنصار الله» يسخرون من التقرير المذكور قائلين إنه صادر عن أحد الفصائل الفلسطينية.
بالمقابل، تؤكّد معلومات استخبارات الجيش أن عوض لا يزال في المخيم، وأن أفراد مجموعته معروفو مكان التواري. ففقد رُصِدَت تحركات لأسامة ش. (المسؤول الشرعي في «فتح الإسلام»)، فيما شدد محمد د. من إجراءاته الأمنية. أما من يصنفون في الدرجة الثانية من الأهمية كهيثم م. (المعروف بهيثم الشعبي) وبلال أ. ع. ويوسف ش. وجمال ف. (أبو محمد الشيشاني) وفادي إ. وقاسم م.، فهم موجودون بصورة شبه علنية؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى زياد أ. ن.، الذي يجمع عدد من المسؤولين الأمنيين على أنه مرتبط بتنظيم القاعدة.
التواصل لم ينقطع بين العصبة واستخبارات الجيش. وأبرز اتصال بين الطرفين كان بين مساعد مدير الاستخبارات العقيد عباس إبراهيم وأحد قادة العصبة أبو طارق السعدي قبل نحو 10 أيام. قال إبراهيم للثاني إن في حوزته معلومات عن إمكان وجود عوض في منزل هيثم الشعبي. قصد أبو طارق المنزل المذكور، فلم يجد سوى هيثم. وقال مسؤول فلسطيني مطّلع إن هيثم قال للسعدي إن بإمكانه إرسال وسيط إلى عوض، لكن أبو طارق طلب منه ألا يفعل ذلك (وهو ما نفى حدوثه أحد قادة العصبة). وبمقابل ذلك، أكّد عدد من مسؤولي الفصائل في عين الحلوة أن العصبة لن تسلّم أحداً من المطلوبين، وعلى رأسهم عوض. وشرح مصدر مقرّب منها أن تجربة بديع حمادة (الذي سلم للجيش ثم أعدِم عام 2003) لا تزال طرية في ذهن قادتها. يومها، يضيف المصدر، انفضّ عدد لا بأس به من الإسلاميين من حولها، ولاقى فعلها استياء جماعات سلفية في لبنان وخارجه، وخاصة في السعودية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى موقف تنظيم «القاعدة». واليوم، كل ما بإمكان العصبة أن تفعله هو أن ترفع الغطاء عن عوض، وأن تفرض عليه التواري. لكن المصدر ذاته يعيد التذكير «بالتغيرات الإيجابية التي شهدها سلوك «عصبة الأنصار» وآراؤها على مدى السنوات الماضية، إذ ركزت جهودها على القتال في العراق وفلسطين، وصولاً إلى الموقف الذي أعلنه الناطق باسمها أبو شريف عقل يوم الجمعة الماضي والمتعلق بتحريم القتال ضد الجيش اللبناني، والنابع من نظرة التنظيم الإيجابية إلى كل من يدعم المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان».
كيف ستحل قضية عوض إذاً؟ العميد منير المقدح يقول إن العصبة موافقة على أي اتفاق سياسي مع السلطة اللبنانية. ومن بيدهم الأمر في الجيش لا يريدون حسم الأمر عسكرياً، إذ يقول أحدهم: لو خيّرنا بين القبض على عوض اليوم مع وجود احتمال لإراقة دماء فلسطينيين أبرياء، وبين تأجيل الأمر ليتم بهدوء، لاخترنا الحل الثاني. لكنه يلفت إلى أن ذلك لا يعني أن الوقت مفتوح.
كيف سيجري الأمر إذاًً؟ يبدو جلياً للمتحدث إلى أمنيين وعسكريين لبنانيين أن لدى الجيش ثابتتين: إنهاء «فتح الإسلام» وعدم تعكير صفو علاقة الثقة التي بنيت على مدى السنوات الماضية مع العدد الأكبر من الفصائل الفلسطينية، وخاصة «عصبة الأنصار». وعلى هذا الأساس، يجري التحضير لإطلاق القوة الأمنية المشتركة في عين الحلوة. هذه القوة ستشارك فيها كل الفصائل الفلسطينية بالعتاد والمال والرجال، وستكون بمثابة قوة شرطة، يقودها منير المقدح بمعاونة ضابط من كل تنظيم فلسطيني. وقد سمّت الفصائل ممثليها (وبينها عصبة الأنصار)، باستثناء حركتي فتح وحماس، ما يثير امتعاض عدد من مسؤولي التنظيمات الفلسطينية. لكن تطوراً بارزاً حصل خلال الأيام الماضية، إذ أبلغت القيادة المركزية لحركة فتح ضباطاً لبنانيين بأنها «موافقة على كل ما يرسمه الجيش». أما حركة حماس، التي يؤكد مسؤولوها عدم وجود قوة عسكرية لها في مخيمات لبنان، فأبلغ مسؤولها في لبنان أسامة حمدان قيادة الجيش استعداد الحركة لدعم القوة الأمنية مالياً، وتغطيتها سياسياً. لكن ما الضامن لعدم تحوّل القوة المذكورة لجنةً يختلف أعضاؤها على كل قرار بتوقيف مطلوب وتسليمه إلى الأمن اللبناني؟ يجيب مسؤول لبناني معنيّ بالملف: ستكون هناك وثيقة مكتوبة، والقوة ستحظى بغطاء قانوني لعملها، لأنها ستكون على تنسيق تام مع مديرية استخبارات الجيش.



«فتح الإسلام» و«المستقبل»

نشر المركز الأميركي لمراقبة المواقع الإسلامية «سايت» بياناً منسوباً إلى «فتح الإسلام» يؤكّد أن شاكر العبسي «أُسر أو استُشهد» بعد كمين نصبته له الاستخبارات السورية، معلناً أن مجلس شورى التنظيم عيّن خلفاً له هو عبد الرحمن عوض. وذكر البيان أن العبسي فرّ إلى سوريا مع اثنين من رفاقه بعد أقل من شهرين على انتهاء معركة نهر البارد، حيث حاول إعادة تنظيم صفوف جماعته. وانتقد البيان النظام السوري، قبل أن يصف تيار المستقبل بأنه «حزب كافر مرتد»، نافياً تلقي الدعم منه.