سامي رسلان

في مقالة لنائب الأمين العام لحزب الله نشرت بعنوان «الانتصار نموذجاً للمرتكزات السلوكية عند حزب الله» يقول فيها إن المقاصد التربوية تبقى مجرد أهداف نظرية إذا لم تترجم بخطط وبرامج عملية تربوية. ويشير إلى أن حزب الله قد ركز في اهتمامه لتحويل النظرية إلى سلوك، وبذل جهوداً متنوعة في المجالات المختلفة، فغطى مساحة هامة في الفكر والروح والتربية والسلوك والجهاد والسياسة. وبعد استعراضه لمجموعة من العناوين التطبيقية الهامة التي تكوّن حصيلة المرتكزات السلوكية للمقاصد التربوية عند حزب الله، وأبرزها انتصار الوعد الصادق في مواجهة عدوان تموز 2006، يشير إلى جملة من المقومات التي رجّحت النصر الاستراتيجي على العدو، إلى أن يصل في نهاية مقالته إلى الوعد الصادق فيقول «هو وعدٌ صادقٌ عظيم الثقة بالنصر الإلهي وليس هو الوعد الوحيد...».
وانطلاقاً من الفقرة الأخيرة وفي سياقها، تجب الإشارة إلى وعد آخر يندرج في منظومة البناء الثقافي الذي اعتمده حزب الله نهجاً موصلاً إلى حتمية النصر الإلهي وامتداداً له، ويدخل في المنظومة الفكرية العقائدية لصون المجتمع وحفظ معنوياته وقيمه في إطارٍ من التعاضد والتكافل بين عناصره.
ويأتي وعد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بإعادة إعمار ما هدّمه العدوان، أحد التجلّيات الرفيعة ضمن استراتيجية المقاومة في الالتزام الأخلاقي بجمهورها «أشرف الناس وأكرم الناس».
فكانت فكرة إطلاق مشروع «وعد» لإعادة إعمار الضاحية الجنوبية، وعدُ صدقٍ آخر أراده حزب الله تجسيداً لانبعاث الإرادة الحية في مخزون الفكر المقاوم المجلّل بالعنفوان والعزة والكرامة، وليتجلّى في أرقى مظاهرها التطبيقية بقيامة الحجر من بين الركام وفي أماكن حطامه.
هذه الظاهرة البنائية فريدة في مسيرة النتاج الإنساني الحضاري بل تندرج في أعلى مراتب سلّم القيم الإنسانية، وتعبير حقيقي راقٍ عن التكافل بين عناصر الاجتماع المدني، وواحدة من دلالات عنفوان النفس الإنسانية وقدرتها الفائقة على تحدي جبروت الظلم مهما بلغ بأسلوب حضاري متمدن يحاكي الانتظام البشري في تكامله وسيرورته نحو العمران والخير والكمال.
هي ثقافة أصيلة إذن... واعية لذاتها وأهدافها ونابعة من منظومتنا المعرفية ومن تجاربنا وتراثنا ومفاهيمنا الجمالية والتاريخية وأطرنا الاقتصادية والبيئية بما يحقق استمرار التواصل والتفاعل بين واقعنا وطموحنا، بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وبين خصوصيتنا وانتمائنا الإنساني قبل كل شيء...
لقد استجاب حزب الله في إطلاق مشروع «وعد» لإعادة الإعمار إلى جملة من مرتكزاته الفكرية والعقائدية في سياق رده الحضاري على مشروع تدمير البنية التحتية وصولاً لتدمير الذات المقاوِمة في شعبنا كهدف وغاية للعدوان الوحشي الصهيوني المدعوم من العالم المستكبر...
يحاول حزب الله في بنائه الثقافي للسلوك الفردي أن يشيع من خلال تصديه لإعادة الإعمار، مفهوماً آخر لثقافة البناء في المجتمعات المدنية، فالبناء ككتل معمارية هو سياج هويتها الفكرية ومحيطها المعرفي والدلالي والترميزي الحاضر، والعمارة كنتيجة مادية موجودة فعلاً وقائمة في الفراغ وثابتة لها أبعادها الوجودية والبيئية والإنسانية وهي محتواها الوظيفي.
وللعمارة ثقافتها بالمعنى الأنثروبولوجي والتاريخي، أي في مجموعة المبادئ والتقاليد والعادات والهياكل المعرفية... لذلك، فهي تعيد الاعتبار بقوة إلى مفهوم المكان كموئل للذاكرة ذي أهمية خاصة مميزة أراده القيّمون على «وعد» لإعادة الإعمار أن يكون حاضراً كموجود فعلي فراغي مَعيش ومعتاد. هي دعوة إلى التفكّر في معنى العلاقة التي أرادها حزب الله بين المكان (والعمارة كمحدّد للمكان) والذاكرة بمداها الفردي والجمعي باعتبارهما عنصرين وجوديين فعالين في تكوين هوية الإنسان والمجموعات والشعوب والإنسانية في نهاية الأمر.
أما البيت الخاص، بما أنه مأوى العائلة ومركز حياتها ومجمع نشاطاتها وموئل ذكرى الراحلين ومرتع الصبا... فكان عليه أن يحضر بذاته وفي موقعه ومحيطه في مشروع «وعد»، والبيوت قد تتشابه معمارياً في المكان والزمان وفي تلبية الحاجات الوظيفية لكنها تختلف في أنها تعكس اختلافات طبقية وعقائدية واجتماعية... والأهم أنها تختلف في خاصة أن تجعل من بيتٍ ما هو بيتي أنا... فهو ملعب الذاكرة ومحيطها ومستوعبها. هنا تبرز أهمية استعادة الشكل والفراغ والإشارات والجيران والذاكرة الجمعية، والعمارة المؤثرة رمزياً ومعنوياً هي التي تومئ إلى معناها لكونها إطاراً لمجموعة من المعاني المكتملة.
أما في الجانب المعنوي، حيث السيادة للروح، فقد جاء «وعد» ليرفع وليصعّد من مفهوم الحيّز المكاني وليصبح آية للعيش وليستحضر جعلَ الله من سكن سبأ آية، وقبلةً «واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشّر المؤمنين» صوت العبادة. هذا قدر واختيار نعيشه. إنه ملاط التحام المجالات المادية والروحية يترنّم في الخلايا، لنجبل الطين والحديد ونشاركها دفء أنفاسنا والتراتيل والأحجار ولنرسم فيها المكان والزمان... إعماراً.
إنه النصر التالي، والآتي بعد استكمال عملية البناء وإعادة الإعمار، عندها سيتحوّل صمت العمائر إلى تسبيح رضى تغزل خيوطها من محبة الله أمناً وسلاماً. وعمارات شموخ تنسج صعودها للتلاقي مع النور المبين.
مشروع «وعد» جاء ليكرَّس هويةً وانتماءً لحضارةٍ ولفكرٍ وثقافة، هو التلازم بين الهوية الاجتماعية والهوية السياسية والعقائدية.
بذلك سنكون أهلاً للأمانة في الأرض.