عشية بدء موسم السهر، تعود قضية سكان حي الجميزة مجدداً. تقفل بعض الملاهي بالشمع الأحمر ثم تفتتح بعد أن «تسترحم». اليوم، ترتفع أصوات أصحابها الذين اقترضوا ليفتتحوها، وعمالها المهددين بالطرد، في انتظار تسوية مع وزارة السياحة يفرضها «الأمر الواقع» كما يسمونه. واقع يتحملون بعض مسؤوليته، ولا يلام سكان الحي لعدم تقبله. لكنه واقع تُسأل عنه الجهة الرسمية التي أوجدته


رنا حايك
«خمسمئة عائلة تعتاش من حانات الجميزة». يقول أحد النّدل. «لو طبّق قرار إلزامية الإقفال عند الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل، فسيسرّح أصحاب العمل نصف الموظفين ويصبحون في الشارع». يتدخل زميله «أنا طالب وأعمل هنا بدوام كامل. لو طبّق القرار فسيصبح عملي جزئياً أو قد أخسره نهائياً».
جو من التوجّس يسيطر على موظفي حانات الجميزة، في انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الجارية بين جمعية أصحاب الملاهي ووزارة السياحة التي سبق أن أقفلت بعض الحانات قبلاً، لتعود وتسمح بافتتاحها بعد قبول طلبات «الاسترحام» (وهي استثناءات يسمح بها القانون في حالات خاصة) المقدمة من أصحابها. جو يعيد إلى الواجهة الملف الإشكالي بشأن الشارع السكني «الولعان بالسهيرة» على مدار الأسبوع.
«على شو زعلانين؟ بيوتن تضاعف سعرها»، يقول نادل في إحدى الحانات على مسمع من صاحب الحانة بسام خزعل. يتدخل هذا الأخير بدوره «دفعت غالياً ثمن بيتي الذي أستيقظ فيه يومياً على ضجيج الأوتوستراد في حرج تابت. هل أشتكي على الأوتوستراد؟ هاي بيروت. الضجيج طبيعي».
صحيح، قد يكون الضجيج طبيعياً في العاصمة. لكن بالتأكيد من غير الطبيعي أن يتركّز أكثر من مئة ملهى ليلي في شارع واحد مأهول بسكان من أبسط حقوقهم أن ينالوا بعض الهدوء في منازلهم ليلاً.
لكن، هل من الطبيعي أن تمنح هذه الملاهي تراخيص بالعمل وهي في قلب حي من هذا النوع؟ تراخيص تعني بديهياً أنها تستوفي شروط عدم الإزعاج المطلوبة من حيث عزل الصوت. فهل تفعل؟
«لم نكتف بتجهيز الملهى بعازل صوت، بل استأجرنا الطابق الأول أيضاً ونستخدمه مستودعاً» يقول نادل في إحدى الحانات التي تستوعب 400 شخص. بينما ينوّه زميل له في حانة أخرى بذوق صاحب الملهى الذي «زوّد جاراً له اشتكى من الصوت بزجاج مضاعف وبتكييف أيضاً، على حسابه، حين اشتكى من صوت الموسيقى في ملهاه الذي يحوي بالأصل تجهيزات عزل الصوت».
إذاً، وما دامت جميع الملاهي تراعي عزل الصوت، فما سبب شكاوى أهل الحي؟
«إنها زحمة السير». وبدعة «الفاليه باركينغ»، يقول أحد الندل مضيفاً «عندما يترجّل الزبون من السيارة يسبب الازدحام. كما تتسبب الأصوات العالية للزبائن المخمورين آخر الليل وهم ينتظرون وصول سياراتهم أمام الملهى، بإزعاج الأهالي»، مردفاً «الحل بسيط: لمَ لا يخصّصون موقف شارل حلو للسّهيرة فتحل الأزمة التي ستتفاقم قريباً بعدما بيع الموقف الوحيد الواسع في الشارع لبنك عودة؟».
ولكن أين هي الشرطة التي يجب أن تسهر على احترام راحة الناس؟ يهز أحد الموظفين برأسه وهو يقول «الحل في معالجة فساد يسمح لأصحاب الملاهي بتصريف أعمالهم في الوقت الحالي»، وعندما تسأله التوضيح يكتفي بالقول: «ولو ما عايشة بهالبلد؟ كلنا منعرف كيف بتصير القصص».
مع كل صفقة باب، يسمع المتجول بين مختلف حانات شارع الجميزة وجهة نظر مختلفة. أصحاب الحانات الصغيرة القديمة يتعاطفون مع «السكان الأصليين»، أما «الوافدون الجدد» فيتذمرون من وقوعهم بين سندان الأهالي ومطرقة الدولة التي سبق أن رخّصت لهم ملاهيهم. بعضهم لم يقبل بالتحدث إلى الصحافة إلى حين الوصول إلى تسوية مع وزارة السياحة. أما البعض الآخر فقد تحدث، رافضاً ذكر اسمه حيناً، وملمّحاً في معظم الأحيان إلى الفساد المستشري في هذا القطاع.
«كنا بضع حانات منذ خمس سنوات، يرتادها السكان لشرب كوب من القهوة أو كأساً» يقول صاحب إحدى الحانات القديمة. ويضيف «لا نحتل أرصفتهم ولا نؤرق لياليهم، إذ نقفل عند منتصف الليل. لكن الهجمة حصلت منذ حوالى سنتين، ومنح الدخلاء تراخيص لم تمنح لنا نحن الملتزمين حتى اليوم بعدم إثارة الضوضاء في الشارع. فرخصة الحانة غير موجودة في القانون اللبناني الذي يعترف بالملهى الليلي فقط. هذه الطفرة التي حوّلت الشارع إلى غابة حصلت بعد عدوان 2006، حين خسر المستثمرون موسماً سياحياً كاملاً، بعدها، تهافتت الشركات على افتتاح ملاه «حناكلها بسببن».
بعيداً عن هذا الموقف المتعاطف مع الأهالي، يؤمن أصحاب الملاهي الليلية بنظرية أخرى. يقول أحدهم: «جرى التضييق سابقاً على حانات شارع مونو إلى أن أطفأوا ليله الصاخب على حساب انتعاش وسط البلد. وبعد إقفال وسط البلد خلال اعتصام المعارضة، انتعشت الجميزة. اليوم يعمدون، بعد فك الخيم، إلى قتله ليعود السهر إلى وسط المدينة وشارع الحمرا».
«هم»؟ من هم؟ لا جواب. يخاف أصحاب الملاهي على استثماراتهم بعدما علقوا أنفسهم بقروض مصرفية. يرون أنهم عالقون في «الأمر الواقع» كما يقول أحدهم. وهو يعترف «لو أعطوني المحل ببلاش اليوم ما باخدو بسبب المشاكل مع السكان. لكن شو بعمل؟ ما أنا علقان؟». فمعظم المستثمرين في الجميزة ما زالوا يسدّدون أقساط قروضهم التي لولاها لما استطاعوا بالأصل افتتاح ملاهيهم، ومعظمهم يرون أنهم قد أتموا واجباتهم حين استحصلوا على الرخص لإدارة مشاريعهم، وأنهم، عند دخولهم في دائرة «تمشاية الحال» التي تتيح لهم تجاوز الخط الأحمر لقانون «إقلاق الراحة العامة»، لم يخالفوا القانون لأن «البلد كله ماشي هيك». ما هيك؟