بين السياسة والاقتصاد والتدهور الحاصل في أخلاقيات البشر، يأخذ الدّين متّسعاً كبيراً من الأحاديث بين «شوفير السرفيس والرّكاب. «الله يسترك» أيّها الراكب إن شاءت الأقدار السماوية العلوية ووقعت على أحد هؤلاء المبشّرين، فلا أحد يستطيع تقصير طريقك نحو خلاصك الوحيد: الوصول إلى حيث طلبت.

يبدأ «الشوفير» الكلام بمجموعة أسئلة يوجّهها إلى الراكب، تنطلق من العموميّات وتعانق المسائل الكبرى التي ما زال كلّ من الفلاسفة والهراطقة يبحثون في ماهيّتها، أسئلة تعود بي إلى صفوف الفلسفة المملّة المكرّرة «كيفك انت واللّه؟» فيتململ الراكب الحزين، تضجّ في رأسه كلّ الاحتمالات الجدّية للإجابة، وينتهي به الأمر متبسّماً بخجل وهو ينظر خفراً في المرآة، إذ يعرف أنّ السائق يراه، يترصّده كصيّاد ماهر يشتهي الأرنب البرّي... «صاليلو».
«شكلك مش كلّ هالقدّ انت والله...» يجيب بخيبة أمل مصطنعة ويهزّ رأسه منذراً ببدء المحاضرة.
يتبسّم، يخفض صوت الرّاديو الصادح بالتّراتيل أو الابتهالات ــــ المبشّرون من كلّ اللأديان ــــ ويستعدّ للانقضاض عليك.
المحنة الكبرى تنتظرك إذا كان السائق ثلاثينيّاً محنّى اللحية حافّ الشّوارب، يردد لعن اللّه المرأة الفاجرة المتبرّجة. ثم ينتقل إلى أحاديث وسير غير موثّقة تهدف في ما تهدف إلى تنوير الراكب «المعتّر». وعندما يتهيأ الراكب للنزول، يعالجه السائق بالوصيّة الأخيرة، «ما تفكّر كتير»، من تمنطق تزندق. من الممتع أن يشهد الراكب حديثاً تبشيرياً في سرفيس في لبنان، أمّا السر في مثل هذه اللحظات فيكمن في انكفاء الراكب في مقعده الخلفي بصمت وانكسار، محاطاً بخطيئته الأولى، ملوّناً بجهله في أمور الأديان، مستمعاً بخجل ووقار ومنتظراً وصوله إلى منزله، متلهٍ بمعاركه اليومية عن معركة الخير والشر.