بيار أبي صعب

وضعت منذ زمن طويل آليات قانونيّة ومهنيّة لتفادي ما يعرف بـ«الخطأ الطبّي» وإصلاحه والتعويض عنه. قد تكون مسؤوليّة الطبيب أو المستشفى. قد يكون السبب ظروفاً خارجيّة قاهرة، أو قصوراً علمياً عن مواجهة حالة معقّدة، أو قضاءً وقدراً... والقائمة تطول. هذه الأمور ينظر فيها القضاء، عن طريق محاكمة عادلة تتيح للمتهم أن يدافع عن نفسه، وللضحيّة أن تطالب بالتعويضات المادية والمعنويّة اللازمة. وتلعب نقابة الأطبّاء دورها عادةً هنا، هي المؤتمنة على أخلاقيات المهنة وأصولها وقواعدها. وقد تأتي العقوبة صارمة بحق الطبيب المسؤول، وصولاً إلى منعه من مزاولة مهنته... أو يبرّئه الحكم من كل مسؤوليّة عن الحالة المؤسفة التي آلت إليها الضحيّة.
لا نعرف في أيّة ظروف تمّت محاكمة الطبيب المصري رؤوف أمين العربي في المملكة العربيّة السعوديّة أخيراً. نعرف فقط أن الحكم الاستئنافي الصادر بحقّه يقضي عليه بالسجن ١٥ عاماً، مضافاً إليها «حبّة مسك» هي... ١٥٠٠ جلدة! تتصوّر لدى قراءة الحكم أنك أمام دكتور فرنكشتاين خطير كان يتلاعب بحياة الناس وأجسادها، وربما كان يدير شبكة لتهريب الأعضاء كي يستحق هذه العقوبة القاسية (نتحدث عن السجن لا الجلد!)... فإذا بخبر وكالة الأنباء الذي دار بالأمس حول العالم، يفيدك بالجرم: «وصف دواء خاطئ أدّى إلى إدمان مريضة سعوديّة». ثم نكتشف لاحقاً أن تلك المريضة ليست إلا «أميرة سعوديّة كان يعالجها (الطبيب التعيس الحظّ) من الإدمان على الأدوية المسكّنة».
طبعاً انتفضت جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، وشهدت شوارع القاهرة تظاهرة احتجاج، أمام نقابة الأطبّاء، على قسوة الحكم غير المبرّرة. لكن السؤال الآخر يتعلّق بالألف وخمسمئة جلدة، عشيّة سفر الملك السعودي إلى نيويورك للمشاركة في «حوار الأديان»: كيف يمكننا أن نواجه العالم وبعض البلدان العربيّة والإسلاميّة ما زالت تطبّق هذا النوع من العقوبات القروسطيّة؟ هل يحقّ لنا بعدذاك، أن نشكو من عنصريّة الغرب وفوقيّته وازدرائه لنا؟ وأخيراً، متى ترتفع الأصوات المؤثرة في العالمين العربي والإسلامي، مطالبة بوقف تلك الممارسات؟ ممارسات لا تمت بصلة إلى جوهر الدين، بل ترتبط بعصور وأزمنة غابرة، من الواجب الاجتهاد وإعادة النظر فيها، إذا شئنا أن نواجه معاصرينا بضمير مرتاح ورأس مرفوع؟