صحيح أن تركيا تغيّرت كثيراً منذ قرر أتاتورك نزع حجابها وإلباسها ثوب الحداثة الغربية بنسخة علمانية لا تشبه إلا نفسها تشدداً وتزمّتاً. لكن إسلاميّة تركيا ما زالت مترسخة، وما مدينة اسطنبول وأحياؤها إلا أبرز دليل. شارع «الفاتح» لا يزال قلعة إسلامية بمساجده وتياراته الفكرية والدينية وحلقات النقاشات فيه وهندسته... يحاول منافسته علمانياً حي «تقسيم» الشهير


حسام تمام *
ثمة أماكن تغريك، بحيث لا تستطيع منها فكاكاً: مضطراً تقصدها، زائراً ومتأملاً وكاتباً، حتى إن لم تكن تنوي فعل شيء من ذلك. فهي أماكن تجمع من المعاني والرموز والطقوس ما يتحدى فيك السّهو أو التجاهل، ويجبرك على أن تتوقف عندها وتقدم بين يدي تأملها ولو سطوراً تعفيك من بعض الشعور بالتقصير إلى حين عودة متأنية تليق بها. ومن بين معالم تركيا ومآثرها، وارثة دولة الخلافة الإسلامية، لم أشعر بانجذاب لمكان مثل «الفاتح». فالفاتح ليس مجرد مسجد أو حتى حي، بل هو ناتج التقاء عوالم عديدة تمتزج فيها الأماكن بالأفكار والخيال والشخوص.
هنا قتل أشهر شهداء الحركة الإسلامية! أشار الصديق الباحث والمترجم إسلام أوزقان إلى ما يبعد أمتاراً عن الكراسي الصغيرة التي نجلس عليها في المقهى الذي يتسوّر مسجد الفاتح. كان أزوقان يتكلم عن متين يوكسيل، الشاب الإسلامي الثوري الذائع الصيت بين كل أطياف الحركات الإسلامية، الذي قتل قبل نحو ثلاثين عاماً (تحديداً في شباط / فبراير 1979) واتُّهم القوميون الأتراك بقتله.

متين يوكسيل

كان متين نجماً بازغاً مع صعود حركة فكر الأمة (مللي كروش) وحزبها (السلامة الوطني) بقيادة نجم الدين أربكان؛ لكنه كان مستقلاً عن الحركة والحزب، وإن نشط في تنظيم الطليعة (أقن جلر) وهي المنظمة الشبابية التابعة لأربكان.

الحركة الإسلامية في تركيا من منظور إسطنبولي



ترك متين التعليم الديني التقليدي، بل التعليم كله، ونذر حياته للعمل الإسلامي، والطريف أنه بعد ذلك، أحضر بعض زملائه الذين صاروا أطباء، وفتح أول مصحة مجانية لخدمة أهالي حي الفاتح ومدينة اسطنبول، وكان هو من تولّى عبء إدارتها وتدبير نفقاتها. كان متين على اتصال قويّ بالحركة الإسلامية في بقية العالم الإسلامي، وكان ينظر بإيجابية إلى أفكار الثورة الإيرانية التي مات قبل أن تنجح، فترك لدى بعض أتباعه تأثّراً لاحقاً بالثورة وبالخميني. لم يكن الرجل مفكراً، كما لم تكن له أفكار خاصة، بل كان ثورياً عملياً لا يحفل كثيراً بالأفكار، لذلك لم تكن له مساهمات مؤثرة في الفكر أو في الحركة الإسلامية؛ لكنه كان قائداً جماهيرياً، يتزعم التظاهرات والإضرابات في كل المدن والمحافظات التركية التي تجوّل فيها تقريباً.
متين الإسلامي الثوري كان ينحدر من عائلة متدينة عرفت بأفكارها غير التقليدية، فوالده هو عالم الدين الكردي الأصل الشيخ صدر الدين توكسيل الذي كان أول من طرح إشكالية «هل تركيا دار إسلام أم دار حرب؟» بعد سقوط الخلافة وقيام العلمانية، وما تولد عنها من إشكاليات أخرى، مثل إقامة صلاة الجمعة. والطريف أن صدر الدين الذي كان شافعياً رأى أن تركيا دار حرب وليست دار إسلام! وعلى هذا الأساس تألّفت جماعة «دار الحرب» في منتصف السبعينيات، وتحوّلت إلى تيار فكري ولكنها لم تمارس العنف. كان أنصارها، فقط، يُحلّون الربا بمعنى التعامل مع البنوك الربوية، كما كانوا يجيزون السرقة من أجل العمل الإسلامي! وإن لم يطبَّق هذا فعلياً بل ظلّ نظرياً، وكان «سادات يني كون»، أقرب أصدقاء متين، هو المنظّر لهذا التيار!
أما أديب، شقيق متين الأصغر، فهو بدأ مثله ثورياً إسلامياً قبل أن يتحول إلى عقيدة «القرآنيين» ويصير الزعيم الأول لحركة القرآنيين في العالم بعد المصري رشاد خليفة الذي قتل قبل سنوات في الولايات المتحدة الأميركية.
متين يوكسيل في وعي الإسلاميين على اختلافهم، هو رمز الشجاعة والبراءة والنقاء. كان شجاعاً إلى حد أن زعيم الحركة القومية الطورانية طلب منه أن يعمل حارساً خاصاً له، رغم الخصومة الأيديولوجية بينهما! لم يبقَ من متين إلا روح أو مزاج ثوري يحنّ إليه الشباب الإسلامي، لكن من دون تراث أو أفكار واضحة.
قيمته الكبرى في استشهاده شاباً، وفي طريقة قتله التي أثارت تعاطفاً كبيراً معه ومع الإسلاميين عموماً، وفجّرت غضباً ورفضاً من الشارع لخصومه القوميين الطورانيين المتهمين بقتله بتحريض من أجهزة الأمن وقتها، ضمن حملة كانت قد أطلقت لتصفية الشيوعيين والإسلاميين. وكان الشيوعيون أصحاب النصيب الأوفر منها. ردّد بعض أصدقائي اسم علي بلير، في إشارة إلى الرجل الذي قتله، لكن الصحف لم تصرّح طوال ثلاثة عقود به، والذين يعرفون القاتل يؤكدون أنه تغيّر في سنواته الأخيرة وصار نادماً وحزيناً على فعلته.

«اسكندر باشا» أو مسجد الرؤساء

غير بعيد من أسوار مسجد الفاتح، هناك مسجد اسكندر باشا، معقل الحركة الإسلامية ومكان ميلادها، كان نجم الدين أربكان منذ صباه يرتاد هذا المسجد ليحضر دروس شيخه الصوفي النقشبندي الشيخ محمد زاهد كوتوكو، ومعه ومن جيله نفسه تقريباً كان يحضر تورغوت أوزال الذي صار رئيساً للبلاد وغيّر الكثير من وجه تركيا، بعدما أعاد إليها بعضاً من الإسلامية. كان المسجد أشبه بجامعة غير رسمية للإسلاميين؛ ولدت فيه النخبة الصوفية المثقفة والمسيّسة التي لعبت دوراً كبيراً في إعادة تركيا إلى الإسلام، وفيه أيضاً انقسمت هذه النخبة داخل الحركة إلى واحدة صوفية وأخرى سياسية بعد وفاة الشيخ زاهد، حيث خلفه في المشيخة زوج ابنته أسد جوثان الذي تنافس وأربكان واختلفا فحدث الانفصال: ذهب أسد بالصوفية وتسيّد أربكان ميدان السياسة.
عامةً يندر أن تجد إسلامياً تركياً حديثاً أو معاصراً إلا وله في حي «الفاتح» جولة أو قصة أو آثار... على بعد أمتار من المسجد هناك «الرشيدية هوتيل»، الفندق الذي كان مفضلاً للسيد بديع الزمان سعيد النورسي، عالم الدين المشهور في نهايات الدولة العثمانية وأوائل الجمهورية الكمالية. وهو شيخ حركة «طلاب النور» التي تعدّ أكبر الجماعات الإسلامية في تركيا قاطبة. وبالجوار منه سنجد بيت عمر نصوحي بيلمان المفتي الشهير (أو رئيس الديانة) في الخمسينيات، وبيت محمد عاكف، الشاعر والإصلاحي الكبير الذي ما زالت الجمهورية الكمالية العلمانية تحتفظ بأبيات من شعره نشيداً قومياً لها!
هناك أيضاً بيت مصطفى صبري أفندي، آخر شيخ الإسلام في الدولة العثمانية الذي انتقل في ما بعد إلى مصر واستقر فيها إلى وفاته، وما زالت لديه حفيدتان تعيشان في مدينتي الإسكندرية. وبابان زاده أحمد نعيم أحد أبرز مفكّري نهايات الدولة العثمانية، مترجم البخاري وشارحه بالتركية في العهد الجمهوري... إنها بقايا تقليد عرفته تركيا من القرن الثامن عشر، وانتشرت معه في جوار مسجد الفاتح بيوت وملتقيات الطبقة المثقفة والمعارضة الإسلامية خاصة.
حول مسجد الفاتح، تأسست المدارس القرآنية والدينية، بعضها غير رسمي وصل إلى ثماني مدارس قرآنية. على اليسار مدرسة قرآنية للفتيات وأخرى للبنين، إضافة إلى سكن للطلاب ومدراس وحمامات (أو ما يسميه الأتراك مشتملات). بعدما أنشئت المدارس القرآنية في جوار المسجد، صار المركز الأساس للعلوم الشرعية في اسطنبول. لكن في ما بعد أنشئت مدارس أخرى في منطقة أكسراي (القصر الأبيض) مقر السلطة. وساعتها قيل إنّه لما نزل العلم من الفاتح إلى قصر السلطان سقطت قيمته. وهناك مقولة أخرى لها مغزى تقول: ضاع العلم في البلاد بعد انتقاله لمركز السلطان.
امتداداً لفكرة المركز أو الإشعاع الديني والثقافي، تمتلئ شوارع حي فاتح ومسالكه بمقار معظم المؤسسات والهيئات الثقافية والشرعية ومراكزها. هناك مقر «فكر الحرية والدفاع عن الحق في التعليم»، أهم منظمة تدافع عن الحجاب والمحجبات وحقهن في التعليم (أوزكوردر)، وتهدف إلى تحرير الحجاب في الجامعات من أجل حرية التعليم للمحجبات، وتقاتل ضد منعهن من التعليم، ومؤسسة «مظلوم در» ولها نشاطات حقوقية في الدفاع عن حقوق الإنسان، وهي التي تولّت ملف حقوق المحجبات وملف الأكراد.
والطريف أنه على الرغم من أن مركز المؤسسة الرئيس في أنقرة، فإن فرعها في فاتح هو الأكثر شهرة وأهمية. هناك أيضاً مؤسسة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان التي يديرها الصديق عمر الفاروق كوركوماز، أحد أقرب الوجوه التركية إلى العالم العربي والإسلامي وأكثرها اتصالاً به، وهي منظمة عالمية تأسست إبان أزمة البوسنة والهرسك، وربما كانت المنظمة التركية الأولى في هذا المجال.
هناك أيضاً جمعية «باب علم»، وهي شقيقة لمنظمة الإغاثة وتعمل في مجال الطلاب الأجانب في أفريقيا وآسيا والعالم التركي، وهناك منظمة «شباب الأناضول»، أحد أكبر المنظمات الطلابية والشبابية في تركيا، وهي تمثل الذراع الشبابية لحركة الأمة (مللي كروش) وحزب السعادة.
وفي حي الفاتح، يمكن أن تجد كل المجلات ومواقع الإنترنت الإسلامية تقريباً، حيث اختار معظمها المكان مقراً له. هناك مجلة «الكلمة الحق» وتمثل تياراً يحمل الاسم نفسه، ومجلة «الإرادة الأصيلة» (أوزكون إرادة)، ومجلة العمران في الفكر الإسلامي، تصدرها إحدى الحركات الإسلامية المعتدلة، وموقع «الفجر» القريب من خط الثورة الإسلامية في إيران ويحمل شعارها، وموقع «طريق القدس» القريب من تيار التشيع السياسي.
وهناك مقر «دار الحكمة» التي أسستها مجموعة من طلاب العلم الشرعي المنفتحين على مدارس العلوم الشرعية، وخاصة في الشرق، ينظمون ـــ قريباً من أسوار الفاتح ـــ لقاءات مع المفكرين والعلماء المسلمين من غير الأتراك، ليعرّفوا بهم وبأفكارهم النخب التركية، ويعقدون ورش النقاش ودورات التدريب الشرعي. أذكر منهم الصديق عمر الفاروق توقات الذي تلقّى العلم الشرعي في شبه القارة الهندية، وكان ممن ترجموا كتابات أستاذنا الجليل عبد الوهاب المسيري للتركية، وكذلك محمد قايا الذي درس أصول الدين بجامعة الأزهر، وهو حجة في قضايا التراث ودليل أي باحث، وخاصة من غير الأتراك، إلى كنوز المخطوطات التي تزخر بها مكتبة السليمانية.
حتى مجلة «الكلمة والعدالة» ذات التوجهات الحداثية الإسلامية غير التقليدية، أبت إلا أن يكون مقرها في حي فاتح معقل المحافظين، بل إن رئيس تحريرها إحسان ألي آجيق، المفكر الحداثي الذي يفسر القرآن بمناهج الحداثيين (له تفسير حداثي للقرآن) من أكثر المثقفين حفاظاً على الجلوس في مقاهي أسوار الفاتح مع النخب المحافظة التي دائماً ما كانت الأقرب لي شخصياً.
إحسان شديد التأثر بحسن حنفي ونصر أبي زيد وربما محمد أركون... وكثيراً ما استمع إلى وجهة نظري الناقدة لهؤلاء الحداثيين الإسلاميين الذين هم بنظري علمانيون، وطالما كان متسامحاً معي وشديد الإنسانية، وكنت كثيراً ما أتعجب من قعوده في هذه الأجواء المحافظة، فعلق عليه صديقنا إسلام أوزقان، متأثراً بالدعابة المصرية، قائلاً: إن إحسان يعتقد كالمعتزلة ويعيش كالأشاعرة!

«تقسيم» vs «فاتح»

فاتح، حي تقليدي محافظ يسكنه كل الأعراق: أتراك وبوشناق وأكراد وعرب. وهناك تجمع عربي على بعد 200 متر، وإن كان الحي في ما مضى مركزاً للأرثوذكس، وكان يحج إليه الأرثوذكس ويزوره البطريرك. لكن طريقة محمود أفندي كان لها دور كبير في إنهاء الحضور الأرثوذكسي في المكان وإعطائه مزاجاً إسلامياً يتناسب مع هويته التي اكتسبها من المسجد وقبر الفاتح الأشهر في التاريخ الإسلامي.
في الحي هناك «شرشمبة» (والاسم يعني اليوم الرابع من الأسبوع)، وهي سوق شعبي تنتشر فيه مظاهر المحافظة الدينية وتسيطر عليه الصوفية، وخاصة النقشبندية وجماعة محمود أفندي، ستجد من يبيعون الكتب التقليدية، وخاصة التفاسير وشروح البخاري، وستجد النساء التقليديات بالملابس السوداء التي يمكن أن تجد لها شبهاً في صعيد مصر أو العراق أو أي منطقة تقليدية محافظة في العالم الإسلامي، وستجد طلاب وطالبات المدارس الدينية غير الرسمية، وخاصة للبنات (معاهد قرآنية ومدراس دينية).
لقد صار حي فاتح أحد أهم ثلاثة أماكن لها شعبيتها ورمزيتها الدينية لدى الأتراك في إسطنبول. وبعده يأتي حي أبي أيوب الأنصاري، ثم اسكودار في الطرف الآسيوي. فيما قبل كانت السليمانية تتبع فاتح لكنها الآن استقلت في بلدية باسمها. وهذه كلها أماكن أناضولية تقليدية، والتدين فيها ظاهر ومنتشر، ولها جو خاص بين التاريخ والصوفية. كثير من العائلات تأتي للإفطار في رمضان في ساحات الحديقة، وفي كل صلاة يكون الأذان في مقام مختلف، وفي أيام الأحاد يمتلئ المسجد فجراً، وهو ما يمكن أن تراه في عدد من المساجد الكبرى التي يفضّل الناس الصلاة فيها، مثل مسجد بايزيد.
مظاهر التدين والمحافظة في الحي فتحت خيالاً للمقارنة بينه وبين أحياء أخرى ترمز لتركيا العلمانية المستغربة، مثل حي «تقسيم». تقسيم حي يمثل النخبة العلمانية المتغربة في مقابل فاتح قلعة التدين. وهو ما أغرى الأديب بيامي صفا بجعل هذه المفارقة موضوعاً لأحد أعماله (فاتح وحربية). بيامي كان متديناً دافع عن المتدينين، واستطاع أن يرسم نقاط افتراق جيدة بين المكانين.
* باحث في شؤون
الحركات الإسلاميّة