العرقوب ـ نداء أبو همين

يختلف اللبنانيون على مدى تطابق شعارات الاستقلال مع واقعهم. وعندما تصل إلى القرى الحدودية المتاخمة لفلسطين المحتلة، يصبح للإجابة معنى المرارة. «عن أي استقلال نتحدث ما دام الجنود الإسرائيليون يمنعوننا من رعي الماشية على طول الخط الأزرق»، يقول راعي المواشي الشاب إيهاب دلة، من بلدة شبعا الجنوبية. ويضيف الراعي الذي كانت مواشيه تسرح حولنا، «كل ما بسرح بالطرش بحط قلبي على إيدي. كل مرة بيخطفوا واحد، هذا غير إطلاق النار علينا ومنعنا من استغلال أرضنا وخرق دورياتهم للخط الأزرق. ولم نتحدث بعد عن القنابل العنقودية التي خلّفها عدوان تموز»، كما يقول. أما المزارع علي منصور من بلدة الهبارية فيقول «تهديدات العدو بتدمير لبنان، الخروق اليومية للمياه الإقليمية من قبل زوارق العدو الإسرائيلي، الاعتداء على الصيادين، سرقة مياه الوزاني وجرف التربة، تعكس حقيقة هذا الاستقلال الهش المتصدع». يسكت قليلاً ثم يقول «أكثر ما يستفز شعوري صوت الطائرات الإسرائيلية تزأر في سمائنا على مرأى ومسمع من العالم كله، وما زلت تحدثني عن الاستقلال؟».
عندما يصبح الاستقلال في رأي المواطن وجهة نظر، يأتي من يحدثك عن الاستقلال النسبي وغير المنجز. ميشال عطا مثلاً، مزارع من راشيا الفخار، يرى أن لبنان «عرف أكثر من استقلال، وفي كل مرة يكون هذا الاستقلال نسبة إلى محتل معين». ويضيف: «توالت على هذه الأرض جملة احتلالات، وعرفت أكثر من سلاح وبزة مرقّطة». ويضيف «الاستقلال الحقيقي يكون بتراكم التضحيات للوصول إلى الاستقلال الكامل. عندها يصبح الانتماء للوطن وحده لا للطائفة التي تستخدمها الدول الكبرى ورقة على طاولة المصالح المتغيّرة».
بدوره، يشعر الأسير المحرر عفيف حمود، من بلدة كفرحمام، بخيبة أمل بسبب الوضع السياسي الأمني القائم. فيقول: «الإنجازات التي تحققت ليست بمستوى التضحيات التي بذلناها. فهدفنا لم يكن فقط تحرير الأرض، بل تحرير الوطن من الطائفية والمحاصصة المذهبية وتدخّل السفارات». وحين تسأله هل هو نادم على سنوات الأسر يقول «مشاعر الخيبة لا تعني الندم. لقد قمنا بواجبنا ومارسنا قناعاتنا. يجب صون الإنجازات، وهذا أمر لا يكون إلا بتقوية الجيش وبدعم المقاومة والحفاظ على سلاحها متأهّباً».