ليس شخصيّة في مسلسل «وطني» تلفزيوني، بل شخص عاديّ دخل التاريخ لمحاولته اغتيال الجنرال غورو. أما بالنسبة إلى محمد عباس حاطوم، وهذا اسمه، فالجنرال لم يكن سوى محتلّ. ماذا بقي اليوم من الشخصين؟ شارع باسم الجنرال في بيروت، وصورة للرجل في منزل أولاد لا يصدّقهم أحد


قاسم س. قاسم
يجلس حسن هاشم ابن حفيدة محمد حاطوم تحت صورة والد جدّه. يبدو الرجل في الصورة جالساً ببذلته العسكرية ناظراً إلى المصوّر بوجه بشوش برغم الشاربين المفتولين اللذين يغطيان شفتيه. الخصر، مزنّر بالرصاص، وبيده اليمنى يقبض على بندقيته «المرتينة» التي حاول بها يوماً اغتيال الجنرال غورو، خلال احتفال أقيم له في ساحة منشية برج البراجنة. يجلس المراهق ليستمتع بحديث جدّته عن والد زوجها، علماً بأنها ليست المرة الأولى التي يسمع فيها هذه القصة التي كان جدّه أيضاً يرويها له، مراراً. بالقرب منه يجلس خاله، الحفيد المباشر لمحمد حاطوم ، ليستمع هو الآخر إلى والدته تحدّث عما تعرفه عن عمّها.
تعدّل الحاجة أم كمال جلستها، وتتأمل الصورة مبتسمةً. بالنسبة إليها يختصر اسم الجنرال غورو الوجود الفرنسي خلال مرحلة الانتداب الطويلة. تتكلم الحاجة عن لحظة وصول المندوب السامي إلى لبنان مع تأكيدها، ربما للاعتذار مسبقاً عن عدم وضوح بعض المعلومات أو المشاهدات، أنها كانت طفلة حينها. تذكر الحاجة أنه «بعد ما فلّ العثملّية (الأتراك) إجوا الفرنساوية»، وأن «مصطفى رضا، أحد وجهاء منطقة برج البراجنة وقتها، قرر أن يقيم حفل تكريم للفرنساوية في منشية البرج» كما تقول. فرش السجاد الأحمر وزينت الساحة، ودعيت العائلات البرجاوية لاستقبال المندوب السامي «اللي شرّفنا» تقولها باستهزاء. لم يهن الموضوع على «قبضايات المنطقة» فكان المخطط أن يتم تخريب الاحتفال. لكن عدد القبضايات حينها لم يكن كبيراً. فقد كانوا فقط أربعة أشخاص لا تزال أسماؤهم ترنّ في أذن الحاجة حتى الآن، وهم: سليمان فرحات، يوسف دياب الحركة، عبد الكريم الحركة ووالد زوجها محمد عباس حاطوم.
تجمّع القبضايات قبل الاحتفال بقليل. «كان المخطط تخريب الاحتفال، تكمل الحاجة، وصلوا إلى المكان وكان الناس كلهم هناك، وعند حضور غورو قام جدّك، قوّصو دغري فأصاب المرافقين»، موجّهة الحديث إلى ابنها محمد حاطوم الذي سمّي تيمّناً باسم جده الكبير. «والله كان غدَع» يعلّق هذا الأخير مشجّعاً الحاجة على إكمال قصّتها. في لحظةٍ، يتحول الحديث الهادئ إلى نوع من ضجة لا نعود نفهم منها شيئاً وسط تعليقات «بيتية» متبادلة بين الحفيد وابن الحفيدة والجدة، من نوع «أخ، لو زاحت شوي» عن الرصاصة التي أصابت المرافق كما يعلّق حسن هاشم مبتسماً، أو أنها «فخر لنا» كما يقول محمد حاطوم. تسكتهم الحاجة بهيبة من يملك كل المعلومات وتكمل حديثها «إيه، والله يا ستّي، سجنوا عمّي، ومعه حبسوا يوسف الحركة وسليمان فرحات». سُجِن الشباب؟ «نعم بس ما بعرف وين؟» تقول الحاجة وهي تبتسم كمن يلتمس أسباباً تخفيفية لجهلها هذا، ثم تكمل كلامها. طلب غورو مقابلتهم ليسألهم: ليش عملوا هيك؟ فأجابوه «أسباب شخصية». وعند سؤالها كيف خرج الشباب تجيب مسرعةً «طلبوا منهم أن يقولوا: الله ينصر الفرنساوية، فقالوها. وعندها أصدر عفواً عنهم وتمّ إخراجهم». في الساحة ذاتها التي حاولوا فيها اغتيال غورو، أقيمت الاحتفالات احتفاءً بالأبطال الذين «مرّغوا أنف الفرنسي بالأرض» يقول محمد حاطوم الحفيد.
لكن للحديث تتمة لا تعرفها إلا أميرة، ابنة محمد عباس حاطوم. يسير حسن هاشم إلى بيتها معنا لسماع القصة «من المصدر مباشرةً». كانت السيدة العجوز في انتظارنا بكامل هندامها في الغرفة التي لا تفتح إلا للضيوف، أي الصالون. تذكر «أم صافي»، وهذا لقبها، تفاصيل التفاصيل في ما يختص حياة والدها. ليس كوالد فقط بل كثائرٍ أيضاً. هي الأخرى تؤكد أنها لم تكن على أيامه عندما «كان مقاوماً». فهو عندما «حاول اغتيال الجنرال غورو كان عمره 18 سنة أو 20 على أقصى حد». تروي الحاجة القصة كما كانت تسمعها من والدتها. فذاكرتها لم تخنها كثيراً على غرار الحاجة أمّ كمال. «كان والدي يلقّب بـ«ملحم قاسم» (المتمرّد الكبير) لكرمه»، وتشير الحاجة إلى أن «ملحم قاسم كان صديق والدي في البقاع، وكان الثوار يلجأون إلى منزله عند الحاجة هرباً من الانتداب الفرنسي». ثم تقول «أنا بنت البطل» واصفة نفسها. وتعود لتروي القصة نفسها مع تفاصيل إضافية بعد الاحتفال الذي كان محمد رضا يقيمه في المنشيّة «قوّص والدي على مرافقي غورو فانتشرت العناصر الفرنساوية في المحيط، وتمكن هو من الهرب بطريقة ما حدا شافو فيها». لجأ والدها لعند ملحم قاسم في البقاع و«لم يعرف أحد أنه هو من أطلق النار على مرافقي غورو، إلى أن بدأ العملاء بعملهم. عندها علموا أنه هو من أطلق النار، فبلّغوا عنه. قبض على والد محمد حاطوم رهينة «ليسلم والدي نفسه». ثم «بدأت الوساطات بالتحرك بين الفرنسيين وأحد أقارب حاطوم مصطفى كنج لضمان أمنه. فسلّم والدي نفسه بعدما تمّ إطلاق سراح والده». تشرح الحاجة أميرة المخطط الفرنسي حيث كان «الهدف من القبض على والدي أن الفرنسيين كانوا يريدون أن يعرفوا الجهة التي قررت محاولة اغتيال المندوب السامي. وبعد تأكيده أن محاولة الاغتيال كانت فردية وبدافع شخصي، لأن والدي لم يكن يرضى أن يأتي محتل إلى البرج، أطلقوا سراحه». تفتخر الحاجة أميرة بأن الاحتفال بالجنرال غورو لم ينجح وأن والدها كان السبب.
فجأة، تحوّل محمد حاطوم من شخص خارج عن القانون بنظر الفرنسيين إلى ابن دولة. فهم «ليتّقوا شرّه شغّلوه بالدولة» كما تقول الحاجة أميرة. هكذا عمل في شركة الريجي للتبغ وأصبح رئيس فرقة فيها، وكان عمله يقتضي مطاردة الخارجين عن القانون الذين يهرّبون الدخان. عاشت الحاجة أميرة سنوات المراهقة بكنف والدها، وبرغم مرور سنوات عدّة مع والدها، فهو لم يخبرها بما فعله مع الجنرال غورو «يمكن لأنّو كان ما بيحبّنا نعرف بوقتها». تفتخر الحاجة أميرة بما فعله والدها المقاوم «الذي رفض الوجود الفرنسي، وكان وطنياً». أما بالنسبة إلى شغله مع الريجي الفرنسية في ما بعد، فتقول «بدو يشتغل شو بيعمل»، لكنها تستدرك أنه «بقي مع حزب الطلائع ضد حزب النهضة».
نستأذن العائلة لأخذ صورة «الثائر» التي غطّاها الغبار، مثلما غطّى تاريخنا، منتظرين توقف هطول المطر لئلا تبتل فتبهت أكثر مما فعل فيها الزمن، مثل التاريخ بالضبط.



لم يصدّقه أحد

لم يصدّق حسن هاشم أن من قرأ اسمه يوماً في كتاب التاريخ بسطرين هو والد جده. فذهب إليه ليستفسر منه بعدما راودته الشكوك عندما رأى اسم حاطوم في كتاب التاريخ بعد اسم محمد. وعندما أكد له جده أن من حاول اغتيال الجنرال غورو هو بالفعل والده، طار إلى المدرسة فرحاً ليخبر أصدقاءه بما اكتشف. لكنّ أحداً لم يصدّقه.