كان من الأفضل لو بادر الملك السعودي إلى فتح مبادرة للحوار بين المذاهب الإسلامية (السنيّة نفسها حتى لا نتحدث عن حوار سنّي ـــ شيعي) لأن العقيدة الوهابية أساءت إلى كل المذاهب الإسلامية، كما أنها كَفّرت كلّ ما عداها


أسعد أبو خليل*
لم يكن المشهدُ مفاجئاً على الإطلاق. شمعون بيريز وخادم الحرمين في عشاء حميم في نيويورك. كنا نفضّل إضافة رونق خاص على اللقاء عبر ضوء الشموع الذابلة من أجل مزيد من الحميميّة. والأقلام اللبنانية الناشطة في الصحافة العربية تنافست في التملّق وفي المبالغة، وغسان شربل (المتحفّظ عادةً) ذهب بعيداً في حديث عن الجسور وعن اكتشاف «الآخر» حتى كنا نظن أنه يتحدث عن جون ستيوارت ميل أو فولتير. الأصوات السياسية اللبنانية تنادت صياحاً للمديح على عادتِها، واعتبرت اللقاء نصراً مبيناً، أين منه فتح الأندلس. أما فتى آل الحريري، فتحدّث عن تطبيع مع إسرائيل يقوم به النظام السوري، كأن المسألة هي في التفرقة بين تطبيع محمود وتطبيع منبوذ. نسي الفتى (أو من كتب له بسيطَ كلامه) أن معارضي التطبيع يعارضونه من أينما يأتي، حاضراً أو مستقبلاً (أو ماضياً). نسي هاني حمود (أو باسم السبع) أن يكتبَ للفتى أنّ معارضة التطبيع لا علاقة لها بهوية المُطبِّع. لكنّ موقف حزب الله من المؤتمر كان ملتبساً.
إنّ معارضة المؤتمر من زاوية الرفض المبدئي للتطبيع يجب أن يرافقها التطبيع القطري والحوار السوري ــ الإسرائيلي، بالإضافة إلى ضرورة رفض ذهاب الرئيس اللبناني إلى المؤتمر.
والرئيس اللبناني هرع إلى نيويورك، لكنه معذور. فهو لا يعود من رحلة إلا ليذهبَ مرة أخرى في رحلة أخرى (11 رحلة في خمسة أشهر وفق تعداد جريدة «النهار»).
لا ضيرَ في ذلك. فهو جمع الأطراف اللبنانية المتصارعة وحقق الوئام والتفاهم بين اللبنانيين، وطلع بنظريّة مبتكرة مفادُها أن انتقاد حكم آل سعود الجائر هو طعنة للعروبة. يريد أن يرتاحَ، رئيس لبنان. دعوه يرتاح. عرضَ في خطابه أن يستضيفَ لبنان مؤتمر حوار الأديان. ماذا يعني هذا الكلام؟ هل ننتظر أن يحلّ شمعون بيريز (أمل الليبراليين ـــ الوهابيّين العرب) في ربوعِنا؟ هل ستقوم صولانج الجميل بالواجب بإعداد الأطباق نفسها التي سلبت عقل أرييل شارون؟ وهذا الاعتزاز بتنوّع لبنان وبتعايش الأديان في أرضه ألم يعد كلاماً فظّاً؟ هذا الكلام كان مألوفاً قبل اندلاع الحرب اللبنانية، وبات نافراً أكثر بعد اغتيال الحريري.
لبنان مركز لحوار الحضارات والأديان؟ أين؟ في بربور أم في البربير أم في باب التبانة أم في بعل محسن أم على خطوط التماس (الدائمة)؟ أما اكتفى لبنان بالزهو بعدما انحدر بنوه إلى صراعات طائفية ومذهبية لا تنتهي؟ ومن يدير حوار الأديان في لبنان؟ الشيخ الجوزو، أم البطريرك الماروني صاحب شعار «فلينتخب المسلمون النواب المسلمين ولينتخب المسيحيون النواب المسيحيين»، أم هاني فحص المتنقّل من فتح إلى حزب الله وأمل إلى حبّ الحقيقة؟ أم نترك الأمر في يد أتباع يوحنا فم... التنك؟
وصدر عن سليم الحص بيانٌ مهذب انتقد فيه مشاركة شمعون بيريز، لكنه ما لبث أن اعتذر. فالسفير السعودي في لبنان (أكبر موهبة شعرية منذ المتنبي وفقاً لشهادة سمير عطا الله) أوضح أن ليس للسعودية علاقة بدعوة بيريز. وهذه كذبة الموسم، لأن حكام مملكة القهّارين كانوا في الماضي يصرّون على عدم دعوة إسرائيليين أو حتى يهود وذلك خوفاً من شعوبِهم. ومن يصدّق شهادة السفير؟ لكن اللقاءات السعودية ــ الإسرائيلية توالت وازدادت بعد 11 أيلول إلى درجة أن الصحف الإسرائيلية أكدت أن الحكومتين الغاصبتين في تل أبيب والرياض تقومان بالتنسيق الدوري في سياستيهما الإقليميتين. وليست الصدفة هي المسؤولة عن هذا التطابق الكامل بين سياسات السعودية وإسرائيل في لبنان ونحو إيران وضد سوريا وفي العراق (وشمعون بيريز أعلن هذا الأسبوع مناصرته للسنّة المعارضين لإيران).
التنسيق قائم على قدم وساق، على ما يُقال، (وهذا ليس بجديد، لأن كتب التاريخ غير المنشورة في بلادنا تذكر أن مستشار الملك عبد العزيز، الرحالة جون فيلبي، دار في لندن قبل الحرب الكونيّة عارضاً تأييداً سعودياً للصهيونيّة مقابل مبلغ من المال). هل كان الملك السعودي غير عالِم بوجود بيريز في المؤتمر؟ أم أننا سنصدق أن الدعوات قد وجهها الأمين العام للأمم المتحدة، كأن صاحب المبادرة لم يكن قادراً على وضع فيتو عادي في هذا الشأن؟ لكن المؤسف هو التصريح الذي صدر عن سليم الحص بعد ذلك. قدّم الحص اعتذاراً عميقاً لـ«الشقيقة الكبرى» (كان عليه أن يقول «الشقيّة» الكبرى أو الطامة الكبرى)، وقال إنه لم يقصد الإساءة إلى المملكة.
من المؤسف مرتين أنّ الحص قال هذا الكلام: مرة لأنه صدّق ما لا يُصدَّق، والمرة الثانية لإصداره هذا الاعتذار المُهين الذي لا يليق بشخصه، وخصوصاً أنه يعلم أن التحالف السعودي ــ السوري (في أيام عزّه عندما كان فارس خشان يدبّج المدائح لبشار الأسد ولإميل لحود ويقول إن خطبة واحدة لبشار الأسد تفتح «كوة» في جدار العدو)، هذا التحالف هو الذي أقصاه عن التمثيل السياسي. ومن المُستغرَب أن حسن نصر الله في خطاب أخير له قبل هو أيضاً «توضيح» السفير السعودي (وحسناً فعل نصر الله عندما ميّز بين الصهاينة واليهود).
وكلّ المديح العربي الذي انهال على «مبادرة» الخطب السعودية غفل عن إيراد المفارقة الفاقعة. لكنّ مراسل «نيويورك تايمز» نيل ماكفركار لاحظ أن مملكةً تفرضُ عقيدة دينية متزمّتة عبر شرطة دينية متسلّطة ومتوحشة، تدّعي أنها ترعى لقاء الحوار بين الأديان من أجل التسامح.
كانت مقالة «نيويورك تايمز» مفعمة بالسخرية. ورضوان السيد حاضرٌ دوماً لتأييد كل ما يصدر عن آل سعود حتى لو كان تثاؤباً و«أل بي سي» عقدت ندوة خاصة بالمبادرة: تنافس الحاضرون في إغداق المديح على من لا يستقيم له النطق ليحاوِر. استضافوا لدقيقتين مُعارضاً للمبادرة عبر الهاتف. أما طارق متري (النموذج الحزين لليساري السابق الذي خلع مبادئَه على عتبة قريطم)، فذهب بعيداً، وقال إن أهمية المبادرة هي في شخص المُبادِر. وقال إن التقارب بين الأديان يستفيد من تجربة السعودية في قطع الرؤوس اليانعة والأطراف المتدليّة إذا عصت.
لم يُدِن متري رجم العشّاق في السعودية. إبرهيم العريس في جريدة «الحياة» بزّهم جميعاً، إذ قال بالحرف: «أقل ما يمكن أن توصف به المبادرة السعودية التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين ورعتها منظمة الأمم المتحدة، حول حوار الأديان، هو أنها خطوة تاريخيّة لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري».(الحياة 16 تشرين الثاني، 2008). أوّاه، ثم أوّاه، ثم أوّاه! لم يبالغ العريس، إذ إنه أضاف كلمة «البشري»، أي إن هناك مبادرات قد تكون منافِسة في التاريخ الحيواني والجمادي. أما حازم صاغية (عميد اليساريّين السابقين، ولقب العمادة عزيزٌ على عبدة الألقاب والمناصب، وخصوصاً بعد تبوّء كارلوس إده منصب عمادة الكتلة الوطنية) فلم يعلّق. قال إن التنوير الذي سطعَ من قاعة المبادرة السعودية أعمى بصيرته ومنع عنه الرؤية، مثل الذي يحدِّق إلى الشمس في عزّ النهار. أما بلال الحسن، فقد كتب في جريدة الأمير سلمان (وهي غير جرائد أمراء سعوديّين آخرين) أن الديموقراطية لم تأتِ مع الإغريق بل من مهرجان الجنادرية نفسه، ولم يكن يمزح. أما راغدة درغام فتحدثت عن «الشجاعة السياسية» للملك المعظّم. لكن الشيخ الجوزو كان متحفظاً في تعليقه على المبادرة، إذ إنه لم يقل أكثر من أنها: «أنبل عمل حضاري»، والشيخ الجوزو يُعتبر حجة في النبل.

حوار الأديان: تسامح وقطع رؤوس!هل هناك من يظن أن الصراع العربي ـــ الإسرائيلي هو صراع ديني؟ هذه هي فكرة الصهيونية التي حاولت نقض الحجة الوطنيّة القومية لحركة التحرير الفلسطيني. أراد الصهاينة أن يروِّجوا لفكرة خلاف إسلامي ــ يهودي لكسب التأييد الغربي المسيحي المعادي تاريخياً للإسلام. والحوار بين الأديان، إن بإدارة الفاتيكان أو بإدارة آل سعود، يزيد من الفرقة بين الأديان والشعوب، لأنه يُكرِّس فكرة الأساس الديني للصراع والخلاف. حتى في لبنان، هناك من يدير تحاوراً بين الأديان، والبطريركيةالمارونيّة ودار الإفتاء والمجلس الإسلامي الشيعي يشاركون، وذلك لقصورِهم عن فهم الأسس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للخلافات والصراعات والحروب.
لكن فكرة صراع الأديان والمذاهب تدرّ ربحاً صافياً ومردوداً تجارياً («كأنما الدين ضرب من متاجرِهم، إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا» كما قال جبران خليل جبران).
وحتى فكرة محمد خاتمي عن حوار الحضارات لا تدحض مقولة صاموئيل هانتنغتون عن صراع الحضارات (المستقاة في عمادِها من مقولات تعود إلى السبعينات من القرن الماضي للمستشرق العنيد برنارد لويس، الذي بدأ نشرها في مقالة في مجلة «كومنتري» الصهيونية عن «عودة الإسلام» بعد الثورة الإيرانية) لأنها تقبل بمنهج هانتنغتون عن صوابيّة التحليل القائم على صراع حضاري.
طبعاً، إن رفض منطق صراع الحضارات يجب أن ينطلق من نسف فكرة الحضارة في القرن الحادي والعشرين من أساسِها. الحضارات تمتُّ إلى عصورٍ كانت المجتمعات فيها منفصلة بعضها عن بعض، تعزلها جدران بسماكة جدار الصين العظيم. إن الصلات والتواصل (الحرّ وشبه الحرّ والمفروض) بين المجتمعات والدول لا يسمح بوجود الحضارات ـــ لا ككيانات قائمة بذاتها ولا كمنهج تحليلي ـــ هل الصين، مثلاً، عرضة لتأثيرات حضارة صينية أكثر من تأثّرِها بما تستورده من نتاج الغرب؟
مفارقة مؤتمر نيويورك لا تتمثل فقط في هوية الداعي صاحب السيف المسلول دائماً وأبداً، بل في توقيتِها. إنها تتعلق بالعلاقات الأميركية ـــ السعودية أكثر من علاقتها بمبادرة جديّة تهدف إلى الوئام بين البشر والتوافق بين المشارب والأديان. والمبادرة قد تكون جدية لو أنها، مثلاً، انطلقت من لقاء يُعقد في السعودية نفسها. لكن ماذا تفعل بقوانين المنع السارية؟ كانت السعودية تمنع رسميّاً دخول أيّ يهودي إلى أراضيها، حتى إن دخول «العزيز هنري» إلى المملكة في السبعينات تطلّب إذناً خاصا من وزارة الخارجية. ولا تزال قوانين المنع سارية، فلا يستطيع الباكستاني الأحمدي دخول المملكة (تحدد جوازات السفر الباكستانية الهوية الدينية للمواطنين والمواطنات وذلك لتسهيل الحظر والمنع والتمييز). طبعاً، تغيّرت القوانين وأصبح دخول الصهيوني إلى المملكة أسهل من دخول الفلسطيني إليها، وأصبح التقرّب من إسرائيل سياسة رسمية للمملكة في الوقت الذي تدير فيه المملكة (تنفيذاً لأوامر أميركية) حصاراً مالياً خانقاً على شعب فلسطين. سلّم آل سعود شأن زكاتهم إلى بوش ووزارة الخزانة الأميركية.
أما فكرة هذه المبادرة، فتعود في أصلِها إلى نشاطات ما بعد 11 أيلول. الإدارة الأميركية فعلت المستحيل لإنقاذ سمعة آل سعود: لكن الضرر لم ينتشر فقط في أوساط الكونغرس، بل في أوساط الرأي العام والإعلام أيضاً. وتدخّلت الإدارة الأميركية لمنع تقديم دعوى من ضحايا 11 أيلول ضد بعض أفراد العائلة المالكة، كما أن التقرير الرسمي لأحداث11 أيلول تضمّن قسماً لم يُنشر عن السعودية، لأن الإدارة لم تكن لتزيد في إحراج الحليف النفطي.
وكعادتها منذ أيام تعيين بندر بن سلطان في السفارة السعودية هنا، تستعين الحكومة السعودية بشركات علاقات عامة لإنقاذِها من ورطات، ولاستجداء صفقات تسلّح من اللوبي الصهيوني الذي يُقرّر من يستحق السلاح ومن لا يستحقه من حلفاء أميركا في الشرق الأوسط. وقامت شركة علاقات عامة على الأرجح باقتراح عقد تلك المؤتمرات لتحسين صورة المملكة في الأعين الأميركية والإسرائيلية. لكن الفكرة لم تنطلِ: ليس في أميركا على أي حال. لم تبق جريدة إلا لاحظت مفارقة أن تقوم المملكة المتزمّتة والمتسلّطة بدعم حوار الأديان.
لم تذكر صحيفة أميركية خبر المبادرة إلا أرفقته بتقرير عن خروق حقوق الإنسان والأديان في المملكة. منظمات حقوق الإنسان كانت متحمّسة لتسليط الضوء على تقاريرها الدوريّة عن الإعدامات وقطع الأطراف (بلغ عدد الإعدامات في المملكة 86 هذه السنة وحدها، فيما أعدمت الحكومة 153 شخصاً في السنة الماضية (أي إن الإعدامات ازدادت عندما وصلت عقيدة بوش إلى ربوعنا). الإعلام الصهيوني لاحظ ما أراد لهم الملك أن يلاحظوا في مبادرته التسامحية: حضور شمعون بيريز. والتناغم والغزل بين إسرائيل والسعودية قائم (علناً) منذ حرب إسرائيل على لبنان. كان الملك يريد أن يعقد مؤتمره في تل أبيب، لكنّ في ذلك إحراجاً لمن يدّعي خدمة الحرمين. ولم يكن بيان المصدر السعودي «المسؤول» غداة الحرب ليأتي عفواً. لكنّه صدر في الليل ومن دون توقيع أي أمير سعودي عليه. لم يضمنوا نصر إسرائيل. خاف أمراء آل سعود، هؤلاء الذين يظهرون أمام شعوبهم شجعاناً.
ويستعين آل سعود بتلك المبادرات السلامية والحوارية والتوافقية للترويج لأفكار متناقضة مع عقيدتهم الرسمية، المعادية لمنطلقات التنوير والحداثة التي تزعم اعتناقها أقلام آل سعود في الإعلام العربي. لا يفوِّت آل سعود مناسبة لنقد العلمانية والإلحاد وتصويرهما بالشر المستطير، ويجزمون بأن «قيم» العائلة والقبيلة في السعودية تنقذ المجتمع من الانهيار. أي إنهم يحذرون من تحقيق المرأة أية مكتسبات أو تقدّم. ويهزّ ليبراليّو الإعلام السعودي رؤوسهم موافقة على الطرح الرجعي المعادي لحداثتهم. والملك السعودي تحدّث طويلاً في لقاء له في نيويورك عن الأسرة وتحلّلها، وقال كلاماً محافظاً وعنصرياً في ذكورته. لكنّ ليبراليي الإعلام العربي وافقوه وصفّقوا له. وحذّر الملك السعودي في كلامه عن حوار الأديان من شرّ الشيطان. كان أجدى له لو أنّه استدعى إلياس المرّ، وهو خبير عالمي في موضوع عبدة الشيطان.
إن فكرة تسامح الإسلام التاريخي مع أديان أخرى لا تفي بالغرض: لا تاريخياً ولا سياسياً. التسامح يعني فقط القبول بإبقاء الآخر على قيد الحياة. طبعاً، يستطيع الإسلام أن يفاخر بتسامحِه مقارنة بالغرب المسيحي الذي اضطهد اليهود والآخرين من الأديان الأخرى. لكنّ تسامح الإسلام التاريخي كان محدوداً، ليس فقط لأن أهواء الحاكم أثّرت على تطبيق غير مطلق لمفهوم لطيف (تجربة الحاكم بأمر الله وغيره من الخلفاء كانت متطرّفة في التزمّت)، بل لأن التسامح لم يكن مطلقاً (والاضطهاد لم يكن مطلقاً أيضاً خلافاً لمزاعم بعض المستشرقين).
هناك من لم يُتسامح معه إطلاقاً في التاريخ الإسلامي (مثل الزنادقة والأقليات الإسلاميّة). والتسامح لا يعني المساواة التامة التي أصبحت هدفاً منشوداً لكل الشعوب والأفراد والأقليات. إن معادلة التسامح لا تتوافق مع هدف المساواة التامة بين المواطنين والمواطنات، حتى بين الدول والمجتمعات.
إنّ الارتقاء إلى مرحلة أو علاقات أفضل بين الشعوب والديانات والطوائف يحتاج إلى مَنهَجة جديدة تعتبر الطوائف والأديان أموراً خاصة وصلاتٍ ووشائج لا علاقة لها بالسياسة على الإطلاق. هذا الارتقاء يعني أن لا إيران ولا السعودية ولا الكيان الصهيوني الغاصب (أنا أفضّل هذه الصفة لإسرائيل لعلمي بأنها تخدش مشاعر الليبراليين العرب، الوهابيين طبعاً) ولا الفاتيكان في موقع أو في قدرة على التقريب بين الناس.
إن التقريب بين الناس يتطلّب عزل تلك القوى الدينية والإكليريكيّة البعيدة كل البعد عن المساواة عن أفكار التقريب والمصالحة والوئام العالمي (من دون إطلاق صفة الدين عليه، كأن غير المتديّنين لا يستحقون السلام).
مبادرات؟ لا. قل إنها مباريات لكسب ودّ الراعي الأميركي. والذين هتفوا لبوش سيهتفون لأوباما عمّا قريب. ومباراة كسب الود بين الأنظمة العربية ستستعر: هناك منافسة جارية للحصول على جائزة أفضل زعيم دمية في الشرق الأوسط. ويُقال إن بوش كنّ ودّاً خاصّاً لبعضهم: مثل كرزاي والدحلان والسنيورة وأبو ريشة. والمحرّمات السياسيّة لا بل المسلّمات (من نوع الاستقلال ورفض الاستعمار واندماج الشعوب خارج نطاق أنطمة التشرذم وتحرير فلسطين) ديست تحت أقدام من رقصوا بالسيف أمام بوش. والتسابق في كسب ودّ العدو الإسرائيلي جار بين أنظمة خانعة وممانعة، والشعب العربي مشغول بدفق من المسلسلات لا ينتهي. كنا استبعدنا نظريّة المؤامرة في ترفيه الإلهاء (والإيحاء الجنسي الرخيص الذي يسلّع المرأة كما تفعل «إيلاف»، وهذا النوع هو غير الإباحيّة المتحرّرة والفنيّة) لو لم يتسرّب تقرير أميركي عن مشروع لوزارة الدفاع الأميركية لإنتاج برنامج «سوبر ستار» عراقي من أجل التعبئة القُطريّة، كما أصبح التنافس القُطري في برامج من هذا النوع سائداً في تلفزيون آل الحريري، وهم أبرياء من الضلوع في أية مؤامرة، لأن نادر الحريري يحرص على إبقاء تيار المستقبل السلفي فوق الشبهات.
والملك السعودي عاد إلى بلاده بخفي... بوش. نال استحساناً من الإعلام الصهيوني، وخصوصاً أنه جلس متسمّراً فيما كان شمعون بيريز (وتحفل سيرته بكمية من المجازر مثله مثل كل قادة إسرائيل) يتوجّه إليه بالموعظة (غير الحسنة). لكنه سيعيد الكرّ. وقد يكون حوار الأديان في المرة المقبلة جلسة حميميّة بينه وبين رئيس وزراء إسرائيل، وقد يحضر دنيس روس مُشجّعاً. إنه زمن الإسعاد العربي الرسمي للحركة الصهيونيّة.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)