أحد أبرز كتّاب جيله وأغزرهم إنتاجاً. فيلمه الأخير هو الخامس عشر له ككاتب سيناريو. حقّقت أفلامه أعلى الإيرادات، لكنّها جلبت سخط النقاد والمعارضين أيضاً. أمّا الحكوميّون، فقد هاجموه بدورهم، بسبب كتاباته الصحافية المعارضة


محمد خير
في الكافيتريا القاهرية الهادئة، استبقنا المقابلة بطلب مشروب بارد. اعتذرت النادلة عن عدم تلبية الطلب بسبب نفاد الثلج، طلبنا القهوة، لكنّ ماكينة البن كانت معطلة. ضحكنا واكتفينا بالشاي، ووجدها بلال فضل فرصةً جيدةً للحديث عن ضرورة السخرية، لا كطريقة كتابة فحسب، بل كطريقة حياة كذلك، وخاصة في بلد مثل مصر، حيث لم يعد غريباً أن تعجز عن شرب القهوة في...«القهوة» وهو الاسم الذي يطلقه المصريون على المقهى!
بين مسلسله الأول «هيمة» الذي عرضته التلفزيونات في رمضان الماضي، وأحدث أفلامه «بلطية العايمة» الذي يتنافس في «مهرجان القاهرة السينمائي»، ضمن قسم جائزة الفيلم العربي، يعيش بلال فضل واحدة من أزهى مراحل حياته إنتاجاً فنياً وصحافياً. المؤلف المصري الساخر الذي كان أصغر سكرتير تحرير مصري ــــ 21 عاماً ــــ لدى عمله بتجربة «الدستور» المستقلّة في إصدارها الأول منتصف التسعينيات، آنذاك اكتشف فيه رئيس التحرير إبراهيم عيسى ملكة السخرية، فمنحه دوراً واسعاً في تحرير الموضوعات الصحافية وصياغتها، ليشارك بدور أساسي في تأسيس لغة صحافية مرنة، وعامية ساخرة كانت جديدة على الصحافة المصرية آنذاك.
هو الآن أحد أبرز كتّاب جيله وأغزرهم إنتاجاً. فيلمه الأخير هو الرقم 15 في مسيرته كاتبَ سيناريو. حقّقت أفلامه أعلى الإيرادات، لكنّ معظمها جلب سخط النقاد والمعارضين أيضاً. أما الحكوميّون فقد هاجموه بدورهم، لكن بسبب كتاباته الصحافية المعارضة التي اكتشف من خلالها أخيراً نتيجةً غريبةً. إذ إنّ الأشخاص المكروهين الذين ينتقدهم في كتاباته الصحافية «يستغلون الهجاء، فيزدادون به قرباً من السلطة»، ما دفعه إلى تفويت تلك الفرصة عليهم من حين إلى آخر بالكتابة عن موضوعات أخرى وتعريف جمهوره الشبابي الواسع بكتب وكتّاب كبار. أحد القراء الشبان أرسل إليه يخبره أنّه لولا كتاباته لما تعرّف إلى اسم بهاء طاهر «ضحكت من العالم المقلوب، واتصلت فوراً بأستاذي بهاء» يقول فضل: «قلت له: انظر ماذا فعل بك الزمن»!
بالنسبة إلى مؤلف كان مقدّم عقده السينمائي الأول «العربون» جهاز هاتف محمول من موديل أصبح الآن مضحكاً (نوكيا بانانا)، «وطبعاً لم يبصر ذلك الفيلم النور»، وبالنسبة إلى كاتب عرف ذات يوم العوز إلى درجة السكن في شارع استنكف الجميع عن منحه اسماً، فاكتفوا بأن أطلقوا عليه «شارع خلف كازينو رمسيس»... فإنّ فضل يقدّر ما وصل إليه من نجاح بغضّ النظر عن الانتقادات. إذ عرض له في عام واحد، هو 2006، خمسة أفلام دفعة واحدة، ومن بين أفلامه جميعاً لم يعرف فشل الإيرادات سوى مرة واحدة مع فيلم «علي سبايسي» للمخرج محمد النجار. يعترف بلال بأنّه «كان الفيلم الوحيد الذي لم أكتبه بإخلاص حقيقي». في ما بعد، ولدى خوض تجربته التلفزيونية الأولى «هيمة» مع المخرج جمال عبد الحميد، أصرّ على ألا يسلّم أي حلقة واحدة من دون أن «يحبّها»، ما أدّى إلى بعض التأخير في تسليم الحلقات المكتوبة، رغم أنّ فكرة المسلسل عاشت معه لمدة ثلاث سنوات، إلا أنّ كتابتها النهائية استغرقت أربعة أشهر «وهي مدة طويلة في العرف الحالي لكتّاب الدراما».
هذه الأيام، ينتظر صدور كتابه الأحدث «السكان الأصليون لمصر» عن «دار ميريت». العنوان يلخّص فكرة أطلقها بلال قبل ثلاثة أعوام من خلال صفحة «قلمين» وهي صفحة ساخرة كان يحررها على مدار عامين في جريدة «الدستور»، بمشاركة رسوم فنان الكاريكاتور عمرو سليم. وقتها، أثار مفهوم «السكان الأصليين» جدلاً واسعاً، فهو باختصار يعتبر أنّ بسطاء مصر ينظرون نظرةً واحدةً إلى جميع مَن هم سواهم: الحكومة والمعارضة، القضاة والصحافيون، الفنانون والكتّاب... بغض النظر عن الفوارق السياسية بين تلك الفئات. هم جميعاً بالنسبة إلى بسطاء المصريين بمثابة «بهوات» أو «أفنديات» بالمعنى الدارج، ينتمون إلى ذات العالم مهما اختلفوا بين بعضهم. أما عالم البسطاء أو «السكان الأصليون» فهو عالم مختلف غير مدوّن، لا يكاد يعرف عنه المثقفون سوى سطحه وكثير من «الكليشيهات». في حكاياته التي حكى بعضاً منها في «الدستور» ولاقت آنذاك نجاحاً كبيراً، وفي كتابه الجديد، يسرد فضل ما عرفه وخبره من حكايات بسطاء المصريين الذين خالطهم وعاشرهم في سنوات الفقر، وخاصة الفترة التي قرر فيها ترك الصحافة «وظيفةً» والتوجّه إلى الكتابة السينمائية، حتى نجح في التعاقد على فيلمه الأول «حرامية في كي جي تو» للمخرجة ساندرا نشأت في عام 2001.
المدهش أنّ فضل المشهور باستخدام لغة مغرقة في محلّيتها وعاميّتها المصرية، لم يحصل على الجنسية المصرية إلا عام 2000، بعد تعديل قانون الجنسية ليسمح للأم المصرية بمنح جنسيتها لأبنائها من أب أجنبي. فما لم يكن يعرفه إلا القليلون، أنّ بلال ينحدر من أصول يمنية. والده (محمد نار فضل سالم) يمني الجنسية، بينما الأم مصرية من الإسكندرية. في السنوات التي عاشها في اليمن للحصول على شهادة الثانوية العامة (كانت الثانوية في اليمن أسهل بكثير، وإلا لم أكن لأنجح أبداً!)، كان التلامذة ينادونه بـ«المصري» و«يعايرونه» بالفنّانات المصريات! وإذا به بعد سنوات، يواجه «اتّهاماً» معاكساً. إذ تهاجم الصحف الحكومية كتاباته الناقدة في «الدستور»، واصفة صاحبها بـ«اليمني الذي يسبّ مصر»! على أي حال، فإنّ بلال عاش اختلاطاً «وطنياً» جديداً، إذ إنّ المؤلف المصري/ اليمني هو الذي كتب سيناريو فيلم «كيف الحال» الذي عرف بأنّه أول فيلم «سعودي»!
في فوضى مشروعاته الجديدة، يعيش بلال فضل فخوراً بانعدام التنظيم. فقط هو يدير فوضاه في الحد الأدنى قبل أن يجد نفسه فقيراً من جديد. ذلك التخوف هو حافزه الوحيد «إدراكك أنّك على حافة الهاوية خير من أن تحلم بحقول الياسمين» يقول محصّناً بالسخرية التي حمته من الاكتئاب، «لا داعي للبحث عن أسباب وخطوات ودوافع للنجاح كما تفعل كتب التطوّر الذاتي. الفشل سبب كافٍ كي لا تفشل»!



5 تواريخ

1974
الولادة في منشية البكري ـــ القاهرة
1995
تخرّج بترتيب الأول على دفعة كلية الإعلام في جامعة القاهرة، ثم عمل سكرتير تحرير في جريدة «الدستور» الإصدار الأول
2001
باكورته السينمائيّة «حرامية في كي جي تو»، توالى بعدها 14 فيلماً من أشهرهم «واحد من الناس»، «خارج عن القانون»، «صايع بحر»
2005
العمل مجدداً في «الدستور» التي عادت للصدور بموجب حكم قضائي
2008
«هيمة» أول مسلسل تلفزيوني من تأليفه، وعرض فيلم «بلطية العايمة» من تأليفه في «مهرجان القاهرة السينمائي»