ناهض حتر *

فاجأ الملك عبد الله الثاني طرفي التفاوض (والتفاهم) على المسار الفلسطيني، بـ«فيتو» أردني حازم إزاء التصعيد على غزة. ففي لقاء ساخن مع رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، ووزير دفاعه إيهود باراك، يوم الثلاثاء في 18 تشرين الثاني، حذرهما الملك من القيام بعملية عسكرية ضد القطاع، ورأى أن المساس بـ«التهدئة» مع «حماس» سيقوّض الاستقرار الهش في المنطقة كلها. وبطبيعة الحال، فإن «التهدئة» تلك تتضمن رفع الحصار عن الغزيين الذين تضعهم تل أبيب في ظروف صعبة للغاية، وهو ما يخلق المناخ الملائم للانفجار.
وفي كلام الملك مع الإسرائيليين، تقدير واقعي لقوة «حماس» وحلفائها في غزة. فهو يرى أن إعادة احتلال القطاع ستؤدي إلى عدد من الضحايا وتُشعل الشارع العربي، وتقود إلى موجة من عمليات الانتقام.
تخشى عمان، التي تملك معلومات مفصلة عن الخطوط المتشابكة للسياسة الفلسطينية، من أن تكون أوساط في «السلطة الفلسطينية» قد أعطت لتل أبيب ضوءاً أخضر للتصعيد ضد غزة، أملاً بالعودة إليها كـ«منقذ» على أنقاض الحكومة الحمساوية. ولذلك، أردف الملك لقاءه مع الإسرائيليين، بلقاء بعد 48 ساعة مع محمود عباس، واستجره إلى بيان علني يرفض المغامرة الإسرائيلية في غزة، ويدعو إلى رفع الحصار عنها فوراً.
من المرجح أن يأخذ الطرفان المداخلة الأردنية القوية بعين الاعتبار. فلدى عمان، على كل حال، ما يجعل تل أبيب تعيد النظر بمغامرتها الجديدة، وما يلجم رام الله عن التواطؤ معها، ابتداءً بالتصعيد السياسي والإعلامي والجماهيري (الذي بدأ بالفعل)، ومروراً بتجميد العلاقات، الفاترة أصلاً، وانتهاءً بغضّ الطرف الأمني إزاء تحركات «حماس» المضادة، مثلما كان يحصل في أواسط التسعينيات. وبالنسبة لرام الله، فهي تدرك أن الغضب الأردني له ترجمة مؤذية للغاية على مصالح «السلطة» وقياداتها في آلاف التفاصيل اليومية الناجمة عن التشابك الثنائي الواقعي، بل ربما وصولاً إلى نقل الاعتراف، استراتيجياً، نحو «حماس»، كما يريد الكثير من الفعاليات السياسية الأردنية التي ترى في الحركة الإسلامية حليفاً طبيعياً وموثوقاً للأردن في مواجهة مشاريع الوطن البديل، بل حتى في تصحيح العلاقات الثنائية بين الشعبين الأردني والفلسطيني.
بذلك، يكون التفاهم الناشئ بين عمان و«حماس» قد انتقل خطوة نوعية إلى الأمام، نحو تحالف موضوعي يؤسس لشراكة سياسية بين الطرفين اللذين وجدا أنهما، على رغم الخلافات وسنوات القطيعة منذ سنة 1999، في خندق واحد.
وإذا كانت «حماس» تدرك ذلك، وأكدته مراراً، فقد كان على عمان أن تخوض تجربة مرة جديدة مع الإسرائيليين والفتحاويين، قبل أن تعود إلى الاستراتيجية المعقدة التي وضعها الملك حسين في التسعينيات، والتي تقوم على ثلاثة محاور: 1) علاقات سلام مع إسرائيل، ودعم المفاوضات الفلسطينية ـــ الإسرائيلية بهدف حماية الأردن من مشاريع الوطن البديل، 2) وعلاقات تحالف مع «حماس»، بوصفها القوة الفلسطينية الصاعدة، وورقة الضغط الأكثر جدية على الإسرائيليين، والمقيّدة بأيديولوجية إسلامية تخفّض من التوتر السياسي الداخلي لدى فلسطينيي الأردن، 3) الحذر إزاء «فتح» الميّالة إلى استخدام «السلطة» والتفاهم مع تل أبيب من أجل تحقيق أهداف إقليمية أوسع لا تستثني الأردن، بل قل تبدأ به.
وفي زيارته الأخيرة للأردن، تناهت إلى مسامع عباس، ولا بدّ، صرخات المسيرة الشعبية المرخصة في قلب العاصمة، التي لم تكتف، فقط، بالدعوة إلى رفع الحصار عن غزة، بل أعلنت تأييدها بقوة لـ«حماس» أيضاً.
وفي واقع الحال، فإنه يكفي أن تسمح السلطات الأردنية للتفاعلات الشعبية بالظهور والتبلور، لكي يخسر الفتحاويون وحلفاؤهم الشارع الفلسطيني ـــ الأردني كلياً. وسيؤدي تحالف وثيق، ممكن بالفعل، بين الوطنيين الأردنيين، المعادين تقليدياً لـ«فتح»، المشكوك بموقفها من الكيان الأردني، والتيار الحمساوي القوي للغاية في صفوف الفئات الشعبية من فلسطينيي الأردن، إلى عزل الفتحاويين وحلفائهم في البلاد. وهو تطور سوف تنعكس آثاره على الضفة الغربية التي لا تزال تحتفظ بروابط ديموغرافية وسياسية واقتصادية وثقافية مع الأردن.
إن القوة السياسية الفلسطينية التي تخسر عمان سوف تجد أنها في موقف صعب للغاية داخل فلسطين. فمصالح الفلسطينيين، من كل الفئات والاتجاهات، مع الأردن هي أقوى من تلك التي تربطهم بأية دولة أخرى. صحيح أن غزة التي تحكمها حماس تحدّ مصر، لكن قلب فلسطين العربي في الضفة ومناطق الـ48 مرتبط بالأردن، وقيادة الشعب الفلسطيني تؤخَذ في الضفة لا في غزة.
في الستاتيكو السياسي الفلسطيني الحالي، تستطيع «السلطة» عزل قوة «حماس» الصاعدة عن التأثير الانقلابي في الضفة الغربية. لكن، حالما يغزو الإسرائيليون غزة، فسوف تستطيع «حماس» الانتقال من الحكم الجزئي إلى المعارضة الوطنية في غزة والضفة معاً، محمولة بتأييد جماهيري فلسطيني وعربي. وستكون سلطة رام الله قد سقطت، سياسياً حتى، بل خصوصاً بعد تسليمها حكم القطاع من المحتلين. هنا، سيكون التحالف الواقعي بين عمان و«حماس» مفصلياً في الصراع اللاحق الذي سوف يستمد طرفاه الكثير من عناصر القوة الميدانية من التسهيلات الأردنية. أعني أن التأييد الأردني لطرف ضد الآخر سيكون حاسماً.
في زمن المزايدات الانتخابية الإسرائيلية، بل افتقار إسرائيل إلى قيادة تدرك التطورات الحاصلة في موازين القوى في المنطقة، وجدت عمان، مستعيدة دبلوماسية الملك حسين، أنه من الضروري تقديم إنذار إلى تل أبيب للكف عن حصار غزة أو التفكير بمغامرة عسكرية فيها، وتذكيرها، مرة أخرى، بأن إنهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود الـ67 هما اللذان يحققان الأمن لإسرائيل، لا الحصار والعدوان. بعد تلاشي وعود الرئيس جورج بوش الذي أصبح «سابقاً»، بحل الدولتين، وسقوط خليفته جون ماكاين الذي نادى بالحل على حساب الأردن، وجد الرئيس عباس نفسه، وسلطته، في حالة من انعدام الوزن تفرض عليه الامتثال للطلب الأردني إعلان موقف صريح ضد السياسات الإسرائيلية نحو غزة، من دون أن يردفها بالهجوم على «حماس» أو مطالبتها، كالعادة، بوقف ما تسميه رام الله «الصواريخ العبثية» التي يطلقها المقاومون الفلسطينيون من غزة.
في الأشهر الأخيرة، قامت السياسة الأردنية بمراجعة أساسية لتحالفاتها وخطابها. فهي تسعى إلى إقامة توازن في العلاقات بين الرياض ودمشق، أنهى عملياً وجود الأردن في المحور السعودي ـــ المصري. وفي زيارتين متتابعتين إلى العاصمة القطرية والسورية، خرج رئيس الوزراء الأردني، نادر الذهبي، بإنجازات ملموسة: عودة العلاقات الدبلوماسية مع قطر وإنشاء صندوق قطري للاستثمار في الأردن (بقيمة مليار دولار)، والأهم الاتفاق على زيارة قريبة للرئيس بشار الأسد إلى عمان، ستكون تتويجاً للتحسن المطرد في العلاقات الثنائية، بما في ذلك تفعيل اتفاقات ثنائية وتوقيع أخرى جديدة في مجالات مختلفة... إلا أن شرارة تلك المراجعة انطلقت من الملف الأكثر ضغطاً على الأردن، أي الملف الفلسطيني، حيث رأت عمان أن دورها قد تجمد، من دون تأثير جدي، في إطار تقديم الدعم الدبلوماسي للسلطة الفلسطينية.
وعلى عكس المقصود منها، انتهت هذه السياسة التي ارتكزت على تبعية سياسية شاملة لإدارة بوش ومرجعيتي الرياض والقاهرة، إلى تهميش الأردن وعودة البحث في مشاريع الوطن البديل في المحافل الأميركية والإسرائيلية، وحتى بعض الفتحاوية. وقد أدى ذلك، رفقة تفاقم سياسات اللبرلة الاقتصادية والخصخصة الشاملة، إلى توتر داخلي غير مسبوق، ربما هدد النظام بمجمله في أشهر الصيف الماضي.
وفي ظل تلاشي الضغوط الأميركية الشديدة، المميِّزة لثماني سنوات منتهية من إدارة المحافظين الجدد، وانتقال البيت الأبيض إلى ديموقراطي من طراز جديد لم تتبلور بعد سياساته الشرق أوسطية، تجد عمان أنها تستطيع القيام بمقاربة جديدة تعيد لها وزنها ودورها الإقليميين، وتحافظ على مصالحها الأساسية، وخصوصاً في الساحة التي تعنيها بالدرجة الأولى، أي الساحة الفلسطينية. على هذه الخلفية بالذات، أعلن الملك عبد الله الثاني لتل أبيب ورام الله معاً، أن عمان ليست محايدة إزاء صراعهما مع غزة، وأنها متمسكة بالخطوة السلمية الوحيدة التي أُنجزت فعلاً على المسار الفلسطيني في الفترة الأخيرة، أي اتفاق «التهدئة» مع «حماس».
* كاتب أردني