ياسين تملالي *

في 12 تشرين الثاني / نوفمبر، قضي الأمر وصوّت البرلمان الجزائري على تعديل الدستور بما يتيح للرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، الترشح لولاية رئاسية ثالثة. لنتصور أن بوش تنبه قبل أن يسبق السيف العزل وقرر الاحتذاء بـ«التجربة الديموقراطية الجزائرية» وطلب من الكونغرس تعديل الدستور الأميركي بما يتيح له استخلاف نفسه في السلطة. لا رغبة لبوش في مغادرة البيت الأبيض، فهو بحاجة إلى عهدة ثالثة لينجز ما شرع في إنجازه: إثراء الفقراء الأميركيين وتعميق السلم في العراق وأفغانستان ونشر الحضارة الأنغلوسكسونية في الفضاء الفسيح.
وفجأة خطرت بباله فكرة عبقرية. تذكر أن الرئيس الجزائري أحد معارفه وأنه استقبله ذات يوم في واشنطن لدقائق معدودات (بسبب ضيق الوقت لا بسبب الكبر والترفع، لا سمح الله). تذكر أن بوتفليقة، بدافع مواصلة حماية الجزائر من شيطانيها الأكبرين، الإرهاب والفوضى الاجتماعية، يستعد لإلغاء مادة دستورية تحدد عدد العهدات الرئاسية باثنتين. وفكر: «من قال إن الحكام الجزائريين أغبياء؟ أليس تجديد القديم حلاً اقتصادياً لمشاكل اللاستقرار السياسي التي تنخر دعائم الديموقراطيات الغربية؟».
واتصل بوش ببوتفليقة طلباً للنصيحة، ولم يفاجأ الرئيس الجزائري بمطلبه، فنيكولا ساركوزي هو الآخر يلح عليه ليكشف له أسرار الاستبداد المستنير والتسلط الديموقراطي. سُرّ كثيراً بأن أتيحت له فرصة إسداء خدمة جليلة إلى أميركا، أعظم الأمم على الإطلاق.
ودار بين الرئيسين حديث طويل عن مساوئ التناوب على السلطة في أوقات الأزمات. واقتنع جورج بوش على أثر هذا الحديث بحقه في تعديل الدستور بما يتيح له الترشح للرئاسة مرة ثالثة. صديقه الجديد قال إنّ الدستور «ينفي السيادة الشعبية» إذ يحدد عدد العهدات الرئاسية، وأضاف مستنكراً: «أليس من الظلم حرمان قائد يحب شعبه من الاستمرار في خدمته؟».
وأسدى بوتفليقة إلى بوش نصائح كثيرة أخرى. نصحه مثلاً بألا يثق بالناخبين الأميركيين، فليس من المستبعد أن يصوتوا ضدّ التعديل الدستوري وينسوا أفضاله عليهم، وأقلها شأناً تحوّل أميركا إلى أكثر أمم العالم شعبية ونيل رعاياها أحسن أصناف الاستقبال في العراق وأفغانستان. وأكمل الرئيس الجزائري حديثه قائلاً: «عليك مثلي أن تتجنب الاستفتاء».
وقرّر بوش أن يكتفي كصديقه الجديد بجمع النواب الأميركيين لطلب موافقتهم على تعديل الدستور ومنحه حق الترشح لولاية أخرى. ولكن، كيف سيقنعهم بالتصويت لمصلحة تعديله الدستوري؟ «لا تقلق»، قال بوتفليقة، «فأول ما يجب أن تفعله هو أن تسمي مقر الكونغرس باسم مبنى المجلس الجزائري، قصر يوسف زيغود، فهذا الاسم سحري». ثم شرح له طريقته الخاصة في التعامل مع ممثلي الشعب المنتخبين: عليك إقناعهم بأنهم لن يحتاجوا بعد انتخابك إلى انتخابات شفافة كي يبقوا في مناصبهم، وأن كلاً منهم سيستفيد من أراض وعقارات فخمة على شاطئ المحيط الهادئ، بل سيظفر بحق تطليق زوجته واستبدالها بأخرى أكثر نضارة تليق بمقامه الجليل.
ووعد بوتفليقة بوش بأن يرسل إليه فريقاً من ضباط الاستخبارات الجزائريين ممن تكوّنوا في خضم المعارك الديموقراطية لسنوات التسعينيات والألفين، كما تعهد بأن يوفد إليه رئيس حكومته، أحمد أويحيى، المختص في تنظيم الانتخابات النزيهة منذ تشريعيات 1997، حين أعطى التجمع الوطني الديموقراطي أغلبية مقاعد البرلمان ولم يمض بعدُ على ميلاده سوى بضعة
أسابيع.
وتأثر بوش بعرّابي الصداقة الجزائرية وكادت عيناه تدمعان. بفضل نصائح هذا الأخ الذي لم تلده أمه، سيتفرغ سنوات أخرى لتعميق السلام في أفغانستان وتحويل إيران إلى عراق جديد تسوده العدالة والأخوة والمساواة. بفضله سيتمكن من إنقاذ «وول ستريت» من الإفلاس كلما اشتكى الرأسماليون النزهاء من عتو قوى السوق.
ووصل رئيس الحكومة الجزائري أحمد أويحيى إلى واشنطن برفقة وفد متخصص من الاستخبارات الجزائرية، وأوكل إليه بوش مهمة تنفيذ مخطط بوتفليقة العبقري. وبين عشية وضحاها، انقلبت حياة النواب الأميركيين رأساً على عقب. حاصرهم الضباط الجزائريون، في مكاتبهم وبيوتهم وحتى في غرف نومهم، واستعملوا معهم الترهيب والترغيب لإقناعهم بالتصويت لمصلحة «السيادة الشعبية»، وانتهى الأمر بأعضاء الكونغرس إلى الاستسلام لغسيل الدماغ الجزائري، وهو خليط عجيب من طرائق الـ«سي أي إيه» والـ«ك ج ب» وغيرها من أجهزة الاستخبارات الذائعة الصيت.
وتابع بوتفليقة العمليات من المستشفى العسكري بعين النعجة، حيث يقيم، لعلاج بعض الأمراض المستعصية غير الشيخوخة والهرم. كل التقارير التي ترده من واشنطن متفائلة، وقريباً سيدوّي صدى التجربة الجزائرية في أميركا، ومنها سينتقل إلى العالم أجمع، وسيفهم الغرب أنه مدين للزعماء العرب بقواعد الحكم الراشد وقوانين الاستقرار السياسي، بعدما دان للعرب الأقدمين بطبّه وفلكه وهندسته.
وكان يوم تصويت الكونغرس على الدستور الجديد يوماً مشهوداً في تاريخ الديموقراطية الغربية. اجتمع النواب في قصر يوسف زيغود الثاني، غنوا النشيد الوطني بحماسة كبيرة ورفعوا أيديهم وأرجلهم عالياً مصوتين. وكانت نتائج الاقتراع مثيرة للدهشة والإعجاب: لم يكتف ممثلو الشعب الأميركي بإلغاء المادة التي تحدد عدد العهدات الرئاسية، مضوا بحسهم الوطني إلى منتهاه فانتخبوا بوش بالإجماع رئيساً للولايات المتحدة والعالم مدى
الحياة.
وابتهج بوش بالكونغرس أيما ابتهاج، فهو أعطاه ما يرغب فيه كل رئيس عاقل طموح: حق تنظيم مأتمه بنفسه. وبدأ يحلم بأميركا جديدة يسودها النظام. ستتحول الـ«نيويورك تايمز» إلى جريدة حكومية اسمها «الشعب» تيمناً بالإخوة الجزائريين، وستندثر هذه الجمعيات المدنية الفوضوية الواحدة تلو الأخرى، وسيبزغ فجر منظمات وطنية جديدة كـ«أحفاد شهداء حرب الاستقلال عن التاج البريطاني» و«أرامل أبطال فيتنام».
سيقطع الزنوج الأطلسي سباحة عائدين إلى أفريقيا، موطن الأجداد. أما باراك أوباما، فسيلجأ إلى جنيف، وسيلتحق هناك بغيره من المعارضين.
وابتهج بوتفليقة هو الآخر بنجاح تجربته وازداد أمله في أن تؤتي أكلها في باقي أصقاع العالم، فاتخذ قراراً عاجلاً بتعيين أحمد أويحيى سفيراً دائماً للجزائر لدى ديموقراطيات الغرب المريض.
* صحافي جزائري