نضال حمد

عرفته في مربّع الفاكهاني الثوري سنة 1980، وتحديداً في حي السبيل بالطريق الجديدة، حيث عملنا معاً ومع رفاق آخرين في مكان واحد. وكان الرجل مسؤولاً عن مجموعة من رفاق الدرب، وكنت واحداً من تلك المجموعة. عملنا في مكتب الأمانة العامة لجبهة التحرير الفلسطينية تحت رعاية القائد الشهيد طلعت يعقوب، الأمين العام للتنظيم. لا بدّ من الشهادة بأن هذا الفصيل أنجب رموزاً ثورية ومناضلين مميزين. أيضاً خرج منه وللأسف، أفراد لو كان بإمكاني نسيانهم وشطبهم من تاريخ المسيرة لفعلت ذلك. لكن تلك هي سنّة الحياة ولا بدّ للحقيقة من أن تدوّن كما هي وبدون تحريف.
كان أبو حسن جبر بكل فخر وكبرياء واحداً من الفلسطينيين المميزين بعطائهم لفلسطين. وقلائل هم الذين يعرفون سيرة الرجل الحقيقية، فقد آمن منذ بداياته الأولى في مخيم برج الشمالي بالعنف الثوري طريقاً لاستعادة الحق السليب ولتحرير فلسطين كل فلسطين. وآمن أيضاً بما آمن به في تلك المرحلة كثيرون من أبناء شعب فلسطين، وهو أن الطائرة للجميع، وأن كل الطرق تؤدي إلى فلسطين. فمارس قناعاته وركب الطائرة وحلّق عالياً قبل أن يعتقل في سجون الأنظمة العربية، ليخرج في ما بعد من السجن أكثر عنفواناً وانتماءً لكامل تراب فلسطين.
في جمهورية الثورة المنفوشة بالفاكهاني، وفور لقائي به للوهلة الأولى، تولّد لديّ شعور غير مريح اتجاهه، ظنّاً مني أن الرجل عنجهي ومغرور ولا يضحك للرغيف الساخن كما يقول أهل مخيماتنا الفلسطينية في لبنان.
بنيت حكمي عليه من دون سابق معرفة به، ومن النظرة الأولى واللقاء الأول. لكنني بعد أيام من معرفته اعترفت بأن حكمي كان خاطئاً وفي غير محله، إلا بالنقطة الأخيرة منه. فأبو حسن رفيق وصديق وإنسان متواضع وطيب وابن مخيم وثورة.
أما أنه لا يضحك للرغيف الساخن فهذه حقيقة، لأنه كان من الصعب على أي كان أن ينتزع منه البسمة. لكن بالرغم من ذلك كان لضحكته ميزة خاصة مثل سيرته النضالية المميزة.
أثناء حصار بيروت 1982، تميز أبو حسن جبر بالشجاعة والجرأة وحسن القيادة والتنظيم. بقي ملازماً ومرافقاً لرفاقه طوال فترة الحصار. بندقيته على كتفه وجعبته على صدره. يقود سيارته وسط القذائف والصواريخ وغارات الطائرات التي كانت لا تنقطع ولا تتوقف عن بيروت المحاصرة. يتقاسم الطعام الشحيح والماء مع رفاقه المقاتلين. ولا ينسى زوجته وأطفاله في شقته في إحدى عمارات الفاكهاني بالقرب من المدينة الرياضية. كان يصعد السلالم كل يوم ليوصل الطعام والماء لزوجته وأطفاله. عندما غادرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية بيروت المحاصرة على متن السفن باتجاه التيه الجديد، توجه أبو حسن جبر بصحبة رفيق عمره ودربه أبو جمعة مع الرفيق القائد طلعت يعقوب إلى سوريا. توادعنا وتعاهدنا على اللقاء من جديد في بيروت، وإن عزت بيروت ففي فلسطين.
لكن، بعد ذلك بأسابيع قليلة، حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول 1982. كنت مع رفاقي ورفاق أبو حسن جبر نقاتل الصهاينة على مقربة من شقته التي كانت خالية من سكانها. هناك استشهد بعض رفاقه (محمد أبو الفداء) وأصبت أنا إصابة خطيرة جداً. لكن كتبت لي الحياة من جديد فغادرت بعد أشهر بيروت للعلاج وعدت بعدها إلى سوريا عبر مطار دمشق الدولي.
عرفت يومها أنّ حريقاً كان اندلع في منزل أبو حسن جبر أدى إلى وفاة زوجته، وأنه حاول إنقاذها وإطفاء النار بيديه مما أدى إلى إصابته بحروق أودع على أثرها المستشفى. قمت في اليوم التالي برفقة الرفيق أبو صالح هشام بزيارته في المستشفى. وكان رفيقنا أبو صالح منزعجاً جداً لأن مجموعة من خيرة رفاقه كانت ترقد في المستشفيات. أبو حسن جبر، أبو الفهود العراقي (استشهد إثر تلك الجراح)، أبو رفيق التونسي، وطارق (نسر الليل) أحد أقربائي وصديقي ورفيق عمري. وأنا بدوري كنت بالكاد أستطيع التقدم بضع خطوات. هذا كله جعل أبو صالح هشام يخرج من طوره ويقول: إن القدر يخطف منا ويصيب أنجب رفاقنا.
بعد فترة، أي تحديداً سنة 1983، حصل الانقسام والانشقاق في «فتح» ومنظمة التحرير وانعكس ذلك على جبهة التحرير التي غادرها نائب أمينها العام الراحل أبو العباس ملتحقاً بالراحل ياسر عرفات، ومعلناً انشقاقه عن التنظيم مع احتفاظه بالاسم.
خرج معه بعض الكوادر من الصفين الأول والثاني والثالث. لكنهم كانوا أقلية في الجبهة، وهذه حقيقة نسجلها للتاريخ. لعب دعم القيادة المتنفذة في المنظمة وبعض الأنظمة العربية دوراً أساسياً في تقوية نفوذ جناح الراحل أبو العباس.
في المقابل، رفض تنظيم الجبهة بقيادة أمينه العام المبدئي والنظيف، الراحل طلعت يعقوب، تطويع موقفه السياسي للأنظمة ولقيادة المنظمة. فحورب مادياً وسياسياً وجُوّع وطال حصاره لسنوات، حيث أدى ذلك في ما بعد، وخاصة بعد استشهاد طلعت يعقوب (17/11/1988 ) إلى زعزعة أوضاعه ولجوء بعض الرفاق الذين لا أشك بحسن سيرة بعضهم إلى الطرف الآخر. ومنهم أبو حسن جبر. لكنه، بعد تجربة محدودة معهم، رفض أن يعيش تحت ضغط بعض الأشخاص الذين أوجدتهم الصدفة في مقعد القيادة وتأثيرهم، فتوجه للعمل المدني كسائق تاكسي. ولمّا تعسرت أموره، عاد للعمل الوطني في صفوف منظمة التحرير كقائد لقوات «الكفاح المسلح» في مخيم برج الشمالي.
وداعاً يا رفيق بيروت الحصار... وداعاً يا ابن مخيم برج الشمالي. لن نسمح للمتنازلين بشطب حق العودة، عودة الشهداء والأحياء إلى قراهم ومدنهم وبلداتهم في كل فلسطين.