فداء عيتاني

لا يسجّل التاريخ الحديث حالات من المقاومة المنظّمة التي يتزعّمها اليمين. فمنذ انتشار كتاب نيقولاي ميكيافيلي الرائع في أسس الحكم والسياسة «الأمير»، اكتسبت القوى المحتلّة الوعي الكافي لتجنيب رأس المال والطبقات العليا الصراع عبر توفير ضمانات، ولو بالحد الأدنى، لأوضاعها وأعمالها ومصالحها، وبالتالي وضعها خارج عملية التحرير، والتعاون معها من أجل إدامة الاحتلال عبر تقديم حصة من مكاسب الاحتلال. ولا ينقص الرأسمال الجبن والطمع ليقف إلى جانب استقرار، ولو على حساب «المصالح الوطنية العليا»، فيفضّل عادة الهدوء والضمانات التي يقدّمها المحتلّ والتي تتيح له العمل، أو التسرّب خلال مرحلة زمنية متوسّطة خارج بلاده.
رغم ما في هذه الصورة من تبسيط، إلا أنها مدخل للقول إن القوى التي تمثل أغلبية العامة هي التي يفترض بها الدفاع عن مصالحها، والتي تتضارب حتماً مع قوى الاحتلال أياً كانت. ولا يمكن أن تكون هذه القوى يمينية تمثل مصالح أقلية مالية واقتصادية، وفي الوقت نفسه تدافع عن التراب الوطني والاستقلال والسيادة. ولا يفهم اليمين وقواه السيادة والاستقلال إلا المزيد من المال الذي يوصله إلى السلطة، والسلطة التي تعود عليه بأرباح مالية إضافية توظف في السياسة والمال في دائرة جهنمية مغلقة من لعبة السلطة والنقد، التي لا تمانع بقدوم احتلال أجنبي، ويبقى المتضرر حكماً الفئات الأفقر، التي تقبع على هامش الدورة الإنتاجية، ودورها في السلطة يقارب الصفر.
اللبنانيّون، كعادتهم، يدّعون ما لا يملكون، ويتحدّثون عن مقاومة طويلة للاحتلال السوري من ناحية، وهي في واقعها لم تحصل يوماً، مدنياً ولا سياسياً، وكل ما جرى أنه تم تقاسم المغانم، وبقي البعض، بإرادته الحرة أو بسبب خطأ في الحسابات السياسية الدولية، خارج معادلة التقاسم.
كذلك يتحدث اللبنانيون عن مقاومة عسكرية ودورة اقتصادية يتولى كل منهما أحد الأطراف الطائفية في البلاد، وهو ما يكاد يستحيل عقلاً ومنطقاً، كذلك فإن استبعاد من حرر البلاد عن دور مركزي في حكمها هو من أوهام البورجوازيات التي تعاونت مع الاحتلال طوال وجوده على أرض الوطن.
رحم الله ميكيافيلي الذي لو زارنا لرأى في أمراء طوائفنا نماذج نمطية من كتابه.