في مجتمع تسيّره التقاليد والأعراف الاجتماعية «الشرقية»، ليس سهلاً أن يختار شاب وفتاة علاقة وحياة مشتركة خارج إطار الزواج، ليختارا «المساكنة» التي تعرف عامة على أنها «عقد شفهي بين ذكر وأنثى، خارج التزامات مؤسسة الزواج المدنية والدينية»، ليسكن الشريكان سويةً في حالات يتهمها البعض بأنها «مستوردة» من الخارج، ويراها آخرون تمرداً طبيعياً على قيود المجتمع

خضر سلامة
قبل بضعة أشهر، حاول أصدقاء كثيرون إقناع شربل (28 عاماً) وأليسار (24 عاماً) بالعدول عن فكرة الانتقال للسكن سويةً خارج إطار الزواج، «لم نشعر بأننا مؤهلون حالياً لعلاقة زواج وبناء أسرة كاملة، فضّلنا السكن مع بعضنا، والتعامل كأي زوجين عاديين، ليستكمل كلٌ منا اكتشاف الآخر وفهمه، وتقييم مدى القدرة على تقبل علاقة رسمية طويلة الأمد، قبل الاستعجال بالوقوع في قفص «الزواج الماروني» الذي لا رجعة عنه»، يبتسم شربل ويكمل قهوته على الشرفة المطلة على «الجمهورية العلمانية» كما يحب أن يسمي شارع الحمرا، «أهلنا بعيدون قليلاً عن الجو الديني، لم يعارضوا علاقتنا»، تستلم أليسار الكلام، لتشرح كيف «سمحت لي استقلاليتي المادية بأخذ هذا القرار وفرضه أمام أهلي الذين أحترم رأيهم إن عارضوني قليلاً بحجة الصيت ونظرة الآخرين، أحترم رأيهم، ولا شيء يجبرني على الالتزام به».
شربل وأليسار يتقاسمان المصروف، والواجبات المنزلية، «أتمنى أن تنجح التجربة، وعلى الأغلب فهي ستتكلل بالزواج عندما نتأكد من صوابية خيارنا» تقول أليسار، أما شربل، فيبدو متفائلاً بما يخص النظرة الاجتماعية عندما «الجميع ساندنا عندما طبقنا قرارنا، رغم الحذر والملاحظات التي أبدوها عندما طرحنا الفكرة بادئ الأمر... لكن الأمر الواقع ونجاح التجربة، والاحترام المتبادل بيننا، جعلنا نقدم صورة محترمة عن المساكنة».
ثمة تجربة أخرى «لاجئة» في المنطقة نفسها، حيث يسكن غسان (32 عاماً) ورولا (30 عاماً)، متمردين على قوانين الزواج وسننه منذ عامين، رزقا بطفلٍ نُسب حسب القانون إلى الأم، «عندما رفض أهلنا مشروع ارتباطنا، كان قرارنا العيش سوية خارج التقاليد البالية» تقول رولا التي تؤكد «علاقتنا هي قرار شخصي، وفردي، ولنا حرية اختيار، لا يحق لأي كان أن ينتقدنا عليها» أما عن الأهل «فأهلاً وسهلاً بهم إذا أحبوا زيارتنا، لكنهم أخذوا قراراً بمقاطعتنا نظراً لـ«العار» الذي نلحقه بهم»، لهجة غسان تبدو أكثر دبلوماسية، يقول «نريد منهم أن يفهموا أن ما يجمعنا أنا ورولا ليس شذوذاً، بل علاقة إنسانية عاطفية طبيعية، ينقصها فقط ورقة هزيلة لا أكثر»، ويمتعض من أن «البعض ينظر إلى علاقتنا على أنها زنا، ورغم قسوة هذه الكلمة الجارحة، نحن مقتنعون بأننا أشد ارتباطاً من أي زوجين... كل ما في الأمر أننا لا نراهن على أن ما يجمعنا هو نهائي ومستمر».
المعارضون والمعادون لفكرة المساكنة كثر في الواقع اللبناني، ينطلقون بمعظمهم من خلفية دينية، ومن «بروباغاندا» قوية ضد أي علاقة جنسية خارج «إطارها الشرعي»، كسعاد التي تنفي أي احتمال بقبولها يوماً لفكرة مساكنة رجل «عدا عن المحرمات الدينية، يكفي أن نعرف أن لا حقوق قانونية مضمونة في لبنان للمتساكنين، إلى جانب إشكالية الإنجاب والنسب، والمشاكل العائلية التي تحدق بأي خيار مشابه»، أما رواد (26 سنة) فيرى أن المشكلة هي في الثقافة الدخيلة، التي أدخلت معها مفاهيم كانت مرفوضة بالأمس وسمتها تمرداً ورفضاً، «بينما هي مجرد خطأ وخطيئة».
في بعض الدول الغربية، تصبح المساكنة شكلاً قانونياً معترفاً به بعد مرور 5 سنوات عليها، كما في المكسيك وأوستراليا وبعض ولايات كندا على سبيل المثال، كما يُعترف بوضع «متساكنين» في معظم القوانين المدنية الأوروبية، ضمن شروط محددة كوجود سكن ثابت، ومردود مالي مستقر، أما المؤسسات الدينية، مع بعض الاتجاهات الفكرية الأخرى، فما زالت ترى المساكنة عاملاً مهدّماً أسرياً، وينشر الفوضى في تركيبة المجتمعات وهرميتها، ومسبباً التدهور في بنية الدولة، ويتمسكون بالزواج كـ«أفضل صيغة للعلاقات الجنسية» على حد تعبير لينين يوماً، بينما يرد المدافعون بأن المساكنة تضعف التعصب القبلي الناتج من تقاليد الزواج ومعاييره العائلية، وبتبني التصاعد في القيمة الاقتصادية للفرد والانشغال اليومي الذي يحتّم عليه التطرف في الفردية بعيداً عن ارتباط جدي نهائي، ويرى البعض أن المساكنة هي «الفطرة الإنسانية»، وأن مؤسسة الزواج هي الدخيل التاريخي عليها.
وفي كل الحالات تبقى المساكنة قضية شائكة في مجتمع معقد التكوينات من جهة، ومحكوم قانونياً بقوانين الكنائس والمآذن، في وقت تعلو فيه بعض الأصوات لخارجين عن طوع النظام الاجتماعي القائم، بالمطالبة بتنظيم قانوني حديث يراعي خيارات جميع الفئات، وينظم المساكنة مدنياً، لكن المعارضين يتمسكون بوثيقة الزواج كصمام أمان «وورقة ضمانٍ أسري لمجتمع سليم».



تسلسل تاريخي

مؤسسة الزواج الديني حديثة نسبياً، تمتد لبضعة آلاف من السنين، أما الزواج بمعنى تملك الفرد لآخر، فظهر عند خروج الإنسان من عصور الصيد، قبل ذلك، كانت علاقة الرجل والمرأة قائمة على علاقة غذاء وجنس، يمكن أن يتبدل الشريك فيها كل فترة، كمعنى أولي للمساكنة، ومع ظهور الشكل الأول للملكية الفردية الزراعية، فرض الرجل سلطته، وظهر مفهوم «الزواج» كعلاقة مستقرة طويلة الأمد. المصريون القدماء نظموا الزواج في محاولة لتقليد علاقات الآلهة العليا. ورمز الزواج عند الإغريق إلى تنظيم الإنسان لمجتمعه، وللإشارة إلى السلوك الجنسي بطريقة متمايزة عن الحيوانات. حوربت المساكنة مع تطور الأديان وأفكار التنظيم الأسري، واعتبرت مُدمرة للمجتمع ولنواته ـــ العائلة