فاديا حطيط

اسطنبول مدينة حلمت لوقت طويل بزيارتها. حلم خال من أي تخيل. ليس كما حلمت دوماً بزيارة بغداد مثلاً، حيث سيطلع منها علي بابا أو ستفتح المغارة. لا ليس هكذا. وليست كحلم زيارة اليابان مثلاً، حيث قد أرى أجساماً في منتهى الصغر في شوارع وأبنية ومصانع في منتهى الضخامة. اسطنبول حلمت بها كما هي تطلع من الجرائد. ربما خطرت قبب الجوامع في بالي أحياناً، وربما عمائم السلاطين مرت على ذهني. ولكن اسطنبول كما ذهبت إليها تصوراتي كانت على الأكثر جملة قضايا حاضرة عناوينها ديموقراطية، إسلام، حجاب، علمانية، حداثة... الخ.
وأنا أتجول في شوارع اسطنبول رأيت نفسي كما لو أني أقوم باختبار دائم لها. قيل لنا إن عدد سكانها 16 مليوناً، وكنت لا أصدق، ولو وسعني الأمر لقمت بعدهم واحداً واحداً. الناس كثيرون جداً، يملأون الأمكنة كلها، ولكن شيئاً من خفة الحركة ومن النظام ومن الترتيب ومن المساحات الخضراء جعلني أظن أنهم أقل من ذلك،. ثم إن الفقر يزيد حيث يزيد السكان. وأنا في كل ما تجولت فيه لم أجد مظاهر فقر جلي. ولو أني قارنتها بالقاهرة، وهو ما كنت أفعله على الدوام، فستبدو لي القاهرة أكثر احتشاداً وأكثر فقراً بما لا يقاس. وأنت وإن بدت عليك هيئة السياحة، فلن يركض أي شخص ليخدمك، ولا أن ينحني لك من أجل بخشيش ما، ولن يناديك بأي لقب من أجل بضعة قروش. لا بل كثيراً ما التقينا بائعين متأنفين متكبرين، يفهمونك قبل أن تبدأ بأنهم يعرفون لعبة الشاري الفقيه ولا يريدونها.
وقيل لنا إن اسطنبول أوروبية. فأخذت أبحث في مظاهرهم، لا شيء من أوروبا على الأقل التي أعرفها، لا شعور شقراء ولا لغة لاتينية ولا ملابس عصرية، ربما تجد الصفوف الطويلة بانتظار الدخول إلى مطعم، وتمشي في محطة المترو ونظام المواصلات العصري، وتشعر بأن في ذلك تربية ذات صبغة أوروبية، ولكنك ترى الأتراك صائمين، ووقت الإفطار كأنما الزمن يتوقف، تمر أمام المطاعم فترى الناس ساكنة أمام صحونها الملأى بانتظار الأذان، وتسمع الجوامع تطلق أذانها كلها معاً فتظن أن الصوت يأتي من السماء. ثم بعد الإفطار، الناس يتوافدون جماعات على شارع سلطان أحمد حيث العجقة والموسيقى والضجة والناس تأكل دون توقف.
وقيل لنا إن اسطنبول دولة علمانية. ولكن بعض الإشارات كانت تطلع من هنا وهناك لتقول لنا إن ثمة أمراً ما ليس مستقراً. الدليل السياحي الذي كان يشرح لنا عن قصر السلاطين توقف لحظة وقال بنبرة خطابية وهو يقصد أن يخاطب الأوروبيين من بيننا «انظروا، نحن الأتراك لا نريد أن نكون أوروبيين، وإنما نحن نخاف من أن نخسر علمانيتنا، نخاف أن نتحوّل ناحية نظام إسلامي ونخسر ما اكتسبناه». والمرأة التي التقينا بها في الباص وعرفت أننا من لبنان واطمأنت إلى أنه ليس بلداً إسلامياً، قالت نحن نخاف أن نتحول إلى بلد إسلامي.
اسطنبول ليست مدينة أخاذة بجمالها فقط، إنها مدينة مثيرة وقلقة. ولكن يبدو أن الأتراك يرسمون حدوداً للسياح للتمتع بجمال مدينتهم، فيما هم يعيشون قلقهم في مدينتهم. أما أنت الآتي من دولة عربية تصطرع فيها أفكار الإسلام والحداثة والعلمانية، وتجمعك بالأتراك صلات كثيرة وقراءات متنوعة، فلا يكفيك جمال المدينة، تريد أن تختبر قلقها أيضاً. يجذبك ذلك القلق، وتفتش عن مثله في القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت. ولكن من يجرؤ على القول إنه عرف مدينة حتى ولو عاش فيها فكيف إذا مرّ بها سائحاً؟