«اللاجئ» الذي جاء الفكر من باب السياسة، مشغول بتفكيك آليات الاستبداد والتطرّف. في المقهى يقرأ الشعر، وفي حي المزة يجالس ديكارت وسبينوزا، وفي الأصقاع البعيدة يحاضر عن الحريّة والتسامح والاختلاف. اليساري المتطرّف الآتي من معسكرات الفدائيين... صار فيلسوف الأمل

خليل صويلح
ما إن تلتقي أحمد برقاوي حتى يمطرك بالأسئلة الراهنة، معتبراً أنّ ميراث الماضي هو سنام الجمل الذي يثقل تفكير الكائن العربي. «لا يتحوّل الكائن البيولوجي إلى إنسان إلا إذا وعى نفسه كفرد». ويعتقد هذا المفكر الفلسطيني المشاغب بأنّ الإنسان العربي «لم يولد بعد، ولم يغب لأنه لم يكن، ولم يمت لأنّه لم يعش». هذه بعض أطروحاته في كتابه الأخير «الأنا». الكتاب دعوة إلى إعلاء شأن الفرد الحرّ في مواجهة السلطات المستبدة التي أنهكت خصوصية هذا الفرد وتطلعاته نحو الحرية وتحقيق ذاته في مجتمع مقيّد وراكد يعيش عطالة تاريخية. «مجتمع عبيد سينتج بالضرورة طغاة يعبّدون الطريق للغزاة».
ولعل سؤال الحرية يختزن الإجابة عن كل معوّقات النهضة والتنوير... يرى برقاوي أن الحرية حالة «افتراسية» لا تعطى من دون ثمن، وبوجودها تنتفي «الهويات القاتلة». هذه هي الطريق التي يقترحها أساساً لخطاب مغاير بمعايير حداثية. هكذا نطوي التفكير العشائري والطائفي الذي ترزح تحته الشعوب العربية، برغبة «أنظمة بدوية ورعوية فصّلت مجتمعاً على قياسها». وها هي الآن تدفع الثمن عبر حركات راديكالية وظلامية. ويستدرك برقاوي: «الظلامية فكر عابر وماضوي، وعلى المثقف التنويري ألا يكف عن مواجهته». ويعيد ثنائية السلطة المستبدة ونهوض الإسلام السياسي إلى «التدمير المنهجي الذي مارسته الأنظمة السياسية لحرية التعبير وحرية القول، وهو ما أدى إلى ازدهار الإيديولوجيا الدينية». ما نحتاجه اليوم، برأي برقاوي، هو «تجاوز أفكار محمد عبده في الإصلاح الديني» ونشر العلمانية لتأصيل مجتمع مدني وقوانين جديدة. «يجب على القانون أن يحمي الحب، فالزواج المدني هو الحل».
ولادته بعد النكبة بسنتين لأب من طولكرم وأم من حيفا، أورثته صفة «لاجئ». في المدرسة كانت هذه اللفظة بمثابة شتيمة، وهو ما جعله شرساً أثناء الشجار مع التلاميذ. لاحقاً، سيدرك ماذا يعني أن تكون فلسطينياً في الشتات؟ في المرحلة الثانوية، سيهرب أحمد برقاوي من المدرسة وينتسب إلى العمل الفدائي في قوات «الصاعقة»، مع انطلاقة الكفاح الفلسطيني المسلّح (1965). لكنّ هزيمة حزيران/ يونيو 67، زلزلت قناعاته بالتحرير الشامل للأرض المغتصبة: «كنت يسارياً متطرفاً، وأضعت سنة في معسكرات التدريب، قبل أن أعود خائباً إلى مقاعد الدراسة».
في جامعة دمشق درس الفلسفة، وتعرّف عن كثب إلى الحركات الطلابية. انخرط في العمل النقابي، ثم حصل على منحة للدراسات العليا في الاتحاد السوفياتي. كانت الدراسة في جامعة «لينينغراد» فرصةً لتأمّل ما يجري في العالم، وفي البيت الفلسطيني. «تناحر التنظيمات الفلسطينية، ونشوب الحرب الأهلية اللبنانية، وسقوط مخيّم تل الزعتر... كل هذه الأحداث قادتني إلى خيبة أمل عميقة. ومنذ ذلك الحين تعلّمت ألا أكون مؤطراً في أي حركة سياسية، لأنها تكبّل أجنحتي وتمنعني من الطيران». هكذا انكبّ على دراسة «الجوهر بين ديكارت وسبينوزا» قبل أن يلتفت إلى معنى «الدولة عند ماركس» و«مفهوم التقدم والتاريخ».
«الحقبة السوفياتية كانت أهم مراحل حياتي»، يقولها أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق بحنين إلى تلك الأيام. فهي مرحلة الوعي بجوهر مأساة الإنسان الفلسطيني والعربي عموماً. هكذا وجد نفسه، بمجرد عودته إلى دمشق مطلع الثمانينيات، وجهاً لوجه مع «المشكلة الفلسطينية». كتب مجموعة مقالات سجالية ونقدية، في مجلة «الهدف»، عن معنى الهوية الفلسطينية وتشظّياتها. وجد في شخصية جورج حبش وتوجهاته الوطنية ملاذاً روحياً: «كانت علاقتي بالحكيم علاقة أبوية، ثم علاقة صداقة وشراكة فكرية»، بعد أن اختاره نائباً له في مشروع «مركز الغد للدراسات». ويروي أن «الحكيم» كان في أوج مرضه مهموماً بالإجابة عن سؤالين: لماذا أخفقنا؟ وماذا علينا أن نفعل كي ننهض مجدداً؟
خيبات الأمل المتلاحقة لم تجعل أحمد برقاوي ينقطع عن الراهن السياسي. فهو يعتقد بأنّ لكل مرحلة رموزها ومعطياتها، لذلك لن نستغرب هذه الحيوية التي يتمتع بها صاحب «أسرى الوهم»، نتيجة قناعة متأصلة لديه بأنّ الحوار هو السبيل لإثارة الأسئلة النائمة، وإشعالها على الدوام. تراه لا يتردد في إقامة محاضرة هنا أو المشاركة في ندوة هناك، لا فرق إن كانت في مدينة نائية، أو في بلد عربي بعيد. يحاضر عن الحرية أو التسامح أو الاختلاف، وهي الموضوعات التي تشغله في معظم كتاباته. حتى إنّنا نستغرب كيف ينظّم أوقاته، فأينما اتجهنا، سنجد أحمد برقاوي: في المقهى يناقش بحماسة، أو في «بيت القصيد» ينصت إلى الشعر أو يقرأ قصيدة، أو في حانة ليلية صاخبة وسط شلّة من الشباب. مقبل على الحياة دائماً، يشارك جيل اليوم همومه ويشحنه بالأمل، انطلاقاً من قناعة راسخة بأنّ هذا الجيل لم يصنع الخيبات بل يدفع فواتير هزائم الأجيال السابقة: «مطلوب من مفكّر اليوم أن يحوّل خيبات الأمل الواقعية إلى أسئلة جديدة، لصوغ أفق مختلف للعالم. الهزيمة تكمن في لامبالاة المثقف وتشرنقه في ذاته، بعيداً عمّا يعصف بالعالم من رياح عاتية وكوارث».
يقيم برقاوي علاقة صداقة مع طلابه، ويرى أنّ دور الجامعة في إنتاج الوعي لم يتغيّر، لكن «أزمنة الانحطاط الفكري التي نعيشها اليوم أرخت بظلالها، لا على الجامعة فحسب، بل على كل مفاصل الحياة». ويرى أنّ تراجع الدور التنويري داخل أسوار الجامعة، ليس سببه الطلاب، بل «الأساتذة الجَهَلة في المقام الأول»، بسبب انكفائهم عمّا يدور في المجتمع... إضافة إلى هشاشة البنية المؤسساتية: «كلما التهمت السلطة المجتمع، ضعفت المؤسسة، وكلما ضعفت المؤسسة ازدادت عذابات المجتمع وازداد تخلّفه». وهنا يلاحظ ذلك الانزلاق في القاموس، بحيث تتحوّل مفردة «مظاهرة» إلى «مسيرة» و«احتجاج» إلى« تأييد». وينبّه إلى خطورة انتشار ثقافة التسلية والتسليع، فـ«إيديولوجيا التسلية المدمّرة والفقر الروحي» هي الطريق إلى اندحار الفكر المضاد والنقدي...
في غرفة مكتبه في حي المزة، يقضي أحمد برقاوي ساعات طويلة في الكتابة والقراءة. يستمع إلى فيروز وعبد الوهاب، تحت رسمة كاريكاتورية له بريشة جورج بهجوري. يقول ضاحكاً «أحاول أن أحطّم الصورة النمطية للأكاديمي في عزلته، فأنا أكاديمي شرس وطفل في آن». ويضيف: «حين كتبت «أسرى الوهم»، اعتبروني ماركسياً، وحين كتبت «الأنا» اعتبروني وجودياً، وأنا لا هذا ولا ذاك». لعله فيلسوف الأمل.



5 تواريخ

1950
الولادة في قرية الهامة في ريف دمشق من عائلة فلسطينية

1965
الالتحاق بالعمل الفدائي

1973
دراسة الفلسفة في جامعة «لينينغراد»

1980
الاستقرار في دمشق والانخراط في الحركة الفكرية

2008
صدور كتابه «الأنا» (دمشق ــــ إصدار خاص)