إيلي حنا

«خرجنا ثالث أيام الحرب، كان المخطط واضحاً في أن القصف لن ينتهي إلاّ بسقوط آخر مبنى في المخيم»، يقول جهاد عثمان أستاذ الرياضيات الفلسطيني في المجمّع الإسلامي في المنية. يسكن جهاد مع عائلته في بحنين داخل منزل كبير نسبياً بإيجار 220 دولاراً شهرياً تساهم الأونروا بـ 200 منها مدفوعة كل 3 أشهر. يؤكد جهاد عزمه على بقائه هنا حتى عند توقف الأونروا عن الدفع. فهو لديه القدرة المالية على تحمّل الكلفة، تماماً كشريكه في التهجير «أبو ياسر» الذي يعمل في مختبر تحاليل في ببنين منذ 9سنوات، لكنه كان يسكن في المخيم. أما رامي، العريس الجديد، فلا يجد مفراً من العودة إلى بيوت الأونروا الجاهزة. على بعد مئة متر يسكن أحمد حسين وعائلته. هؤلاء تركوا نادي الهلال في مخيم البداوي منذ حوالى شهرين وتسلّموا ألف دولار من الأونروا بدل إيجار عن 5 أشهر. لا تمثّل هذه الأشهر سوى العد العكسي للعودة إلى «المزرعة»، كما يصفون «البراكسات». صغير البيت غسان، ابن التسع سنوات يتهّرب من اللعب مع أبناء جيله اللبنانيّين في الحارة «فالاولاد يشعرونني كأني غريب» ويأمل بالعيش في أيّ مخيم كان.
على جانب آخر، وفي حارة هادئة، تسكن ثماني عائلات فلسطينية في مبنى واحد يعود ملكه لأحمد وهبة. أبو محمود العثمان الذي يعرّف عن نفسه بأنه مكتشف للمبنى يطيل الكلام على علاقة المودّة العميقة التي تربطه مع أحمد وهبة والكثير من اللبنانيين في المنية، وقد أثمرت هذه العلاقة قبول الأخير بتأجير الشقق جميعها لفلسطينيين. ست من العائلات هنا تأخذ مساعدة من الأونروا، وعند إيقافها سيضطر يوسف حامد، الموظف في حركة فتح، إلى أن يسكن في «باراكسات الذلّ» كما يصفها. فيما يشكر أبو منذر، الله «على وجود أولاده في الخارج»، فهناك من يستره. ولا يختلف خالد أبو شوقي، صاحب مكتبة في العبدة عن أبو منذر في عزوفه عن الذهاب إلى الباراكسات. فـ«حياة الذل تنتظر الفلسطينيين في البيوت الجاهزة، من ضيق مساحته إلى سقف الزنك الذي لا يرحم صيفاً وشتاءً».
لا يشكو أحد أي معاملة سيئة من الجيران اللبنانيين» و«الكلّ مرتاحو البال»، يؤكد الحاج العثمان الذي لا يصله أي تعويض من الأونروا بسبب تسجيل اسمه للعيش في الباراكسات. لكنه يشكو أنه لم يعد يريد العيش هناك وأنه استاجر شقة. «خدعونا» يقول عن الأونروا، «فالباراكسات وصفت بأنها على الطريقة الأوروبية». يتنهد أبو محمود طويلاً ويلعن قصر نظره حين سجل اسمه «فلا حق ولا عودة. الحرب على المخيم كانت ضد الحجر قبل البشر». أما حواجز الجيش فهي برأيه «حرب تحطيم الكرامة».