محمد بنعزيز *

ثم يقفز ويقارن بينها وبين نظيرتها الأميركية... حتى حين يكون ذلك المثقف أعزب فهو يشاهد فكاهة رمضان، وذلك ليعرف، حسب زعمه، درجة الابتذال التي وصلنا إليها. ويتضح مدى المشاركة الشعبية في تقويم الكوميديا، حيث يرفض كل مواطن وصاية الآخرين عليه، فيأخذ الكلام ليعبّر عن موقفه، ليشارك في «أغورا» الفكاهة. وهذا وضع لا يحلم به قادة الأحزاب الذين يشتكون من تدهور المشاركة الشعبية في الانتخابات... ودليل على أن الوعي الفكاهي أرقى من الوعي السياسي.
رغم هذه المنافع الديموقراطية، تروّج الجرائد للمزاج العام المعادي لكوميديانا، تسفّهها وتحقّرها بدعوى أنها تضرّ بأعصاب المواطنين. كوميديانا التي أعدّت على عجل، وضمت كل شيء، مثل حساء الحريرة الذي لا تخلو منه مائدة في رمضان.
يجري هذا منذ سنوات طويلة، وقد تولّد عنه إجماع وطني علني ضد الفكاهة الموسمية الرسمية، إجماع بديهي لم يتعرض للفحص قط، إجماع يخرج عنه الأشخاص فرادى ويدافعون عنه جماعة. إنهم يحرصون على مشاهدة تلك المسلسلات ولا يستطيعون العيش من دونها. ولذلك مبررات متناثرة، أهمها أنهم يعتبرون أنه يمكن مشاهدة برنامج سياسي أو فيلم أميركي أثناء العشاء، لكن لا يمكن فعل ذلك أثناء إفطار رمضان. لماذا؟ لوجه الله.
من لم يشاهد كوميديانا، سيحرم المشاركة الإيجابية في النقاش الصباحي التافه، نقاش هدفه تجديد الإجماع ضد سذاجة الممثلين وتسرع المخرجين وبؤس خيال كتّاب «السيتكومات». هذه مسلّمات لا يجرؤ أحد على دحضها. لكن لماذا تتنافس شركات الاتصالات والشامبو والمشروبات على عرض منتجاتها قبل كل سلسلة فكاهية وأثناءها وبعدها؟ ولماذا تتحمل إدارة التلفزة هذه الحملة السنوية ضدها؟ هذه «اللماذا؟» مزعجة، قد توقعنا في بعض التناقضات، لكن لنجرب الخروج عن هذا الإجماع النادر.
لنفترض أن ممثلي الفكاهة سذَّج، فهل شركات الإعلان ساذجة لتشتري الدقائق بعشرات الملايين؟ وهذا ثمن يزيد كل عام في ظل المنافسة.
شركات الإعلان لا يعنيها الإبداع والإجماع والشهر الفضيل. إنها تريد الربح، وأكيد أن الربح موجود، بدليل وصلات الإعلان الطويلة التي تخترق تلك المسلسلات. من أين يأتي هذا الربح؟ من أولئك الذين يتسمرّون أمام التلفزة لمشاهدة كوميديانا، وشركات الإعلان واثقة من هذه المعلومة، لذا فهي تعرف أنها لا تلقي نقودها من النافذة. تمويل الفكاهة مضمون، ومسألة النقود لا مزاح ولا كوميديا فيها. وإن السوق إذن بفكاهتنا لسعيد.
لنفحص الموقف من الإجماع اللانقدي ضد كوميديا رمضان: يطالع مديرو القنوات التلفزيونية النقد المزمن الذي يوجّه إلى اختياراتهم الفكاهية، ويتطلعون إلى أرقام المتابعة. هناك تناقض. فالمتابعة عالية. النقد سطحي وغير ذي صلة. والمتابعة هذه السنة أفضل من التي قبلها، والدليل القاطع هو تزايد مداخيل الإعلان. لذا فمن الأفضل زيادة جرعات الإسفاف والبلادة والتسطيح في السنة المقبلة. وهكذا ستزيد مداخيل الإعلان أكثر فأكثر. السوق دائماً على حق.
هناك مشكلة لدى المتفرج المدمن والناقد المزمن. إنه يتابع الإسفاف وينتقده. هنا مربط الحصان.
لنرَ ماذا تقدم الفكاهة الرمضانية: اشتباكات لفظية، تناول سطحي لمشاكل الحياة، صراخ بلا معنى، سخرية شاملة من النساء، سخرية من لكنة ولهجة المناطق، تنميط لغباوة المواطن وعدم انضباطه وسوء نيته وتناقضاته، فهو يمجّد رومانسية البادية ويقاتل ليعيش في المدينة، يبتهج حين يحصل على الأكل مجاناً، يضع معدته على سلّم أولوياته، يؤمن بالشعوذة ويخاف الحسد والعين، يشتري مرسيدس صنعت في بلاد كارل ماركس ويعلق عليها حذوة حصان. ينتقد سلوكيات معينة ويمارسها بلا خجل... هذه هي الحقيقة. لكن لا يجوز نقد المواطن مباشرة، فهو ابن الشعب، والشعب مقدس.
هذه سلوكيات يعيشها عشاق / نقاد كوميديانا يومياً. وهناك إجماع سلوكي على أن تلك الفكاهة انعكاس ميكانيكي لحياة المواطن، بل هي انعكاس لسلوكيات نُخبنا التي تبحر على بوصلة منافع السلطة. نخبة توافق على أننا نسير من أفضل إلى أسوأ، وهذه حالها أيضاً، لذا فإن كوميديانا تلائمنا تماماً، والدليل أنها وحدها التي تبعد المواطن عن الفضائيات طيلة شهر وتشدّه إلى التلفزة المحلية. إنها كوميديا ناجحة وستستمر، لأنها تضحكنا على أنفسنا، وإن كانت عاجزة عن توصيلنا إلى «الكاتارسيس»، أي وظيفة الفن حسب أرسطو، إذ حين أرى عيوبي مشخّصة على خشبة المسرح، أضحك عليها وعلى نفسي، وأتجنّب بالتالي تكرارها لاحقاً. أتطهر منها.
كوميديانا تعيد إنتاج الواقع ولا تتجاوزه بالنقد. لكن من يريدها أن تتجاوزه؟ المطلوب أن تكرسه، وهذا مشروع ناجح، حتى لو كره المثقفون المعادون للتسطيح.
* صحافي مغربي