سليم جريصاتي *

قرأت بهدوء مقالة الأستاذ أنطوان سعد المنشورة في «الأخبار» بعنوان «كتلة نيابية لرئيس الجمهورية، صمّام أمان لما بعد الانتخابات»، وهالني ما قرأت من نصح يسديه كاتب المقالة إلى رئيس الجمهورية بأن يبادر إلى مساهمة ما لتكوين كتلة نيابية وسطية «في الدوائر التي يتمتع فيها بأرجحية». فيما رئيس الجمهورية، على ما أورده كاتب المقالة، قد سبق له أن أعلن عن رغبته بالابتعاد عن خوض العمليات الانتخابية النيابية المقبلة، واختياره الحوار الوطني سبيلاً سوياً إلى تلمّس وسائل حكمه وخيارات عهده تنفيذاً لخطاب القسم ومضمون قسمه الدستوري. وما زاد من استهجاني أن يقال إن لرئيس الجمهورية «أرجحية» في منطقة ما من لبنان، وهو وفقاً للمادة 49 من الدستور رئيس للدولة ورمز لوحدة الوطن وساهر على احترام الدستور واستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، كل أراضيه.
فهل نذهب مذهب تحجيم الموقع الأول أم تحصينه كي يقوم شاغله بالدور ـــ الرسالة الذي ناطه به الدستور خير قيام؟ وهل توسل قادة التيارات السياسية كي يمنّوا على رئيس الجمهورية بتسمية بعض المرشحين ممّن ينتمي إلى تياراتهم علهم يفوزون بمقاعد نيابية تتكون منها «كتلة وسطية» للرئيس، يحصّن الموقع الأول، أم يدخله في دائرة التجاذب القاتل أو الارتهان المقيت ويخرجه عن حياده الإيجابي ويسرّع في انقضاء فترة السماح التي يستفيد منها أي عهد في بدايته، والتي يجدر تعليق بدئها، بالنسبة للعهد الحاضر، إلى حين الفراغ من الانتخابات النيابية المقبلة واستيلاد سلطة أشدّ التصاقاً بالإرادة الشعبية المباشرة وأصدق وأحدث تعبيراً عنها؟
ولعلّه من المفيد أن نتذكّر جميعاً أنّنا لا نزال نلملم الأبعاد الميثاقية والدستورية لما سُمّي «اتفاق الدوحة»، وهو مجرد تسوية قضى بها التشرذم الوطني، ولا يحتمل أكثر مما تضمن من جنوح آسر لموقع الرئاسة الأولى، بحيث «أعطي» الرئيس المسمى ثلاثة وزراء. فهل نكمل عملية التأطير والتحجيم بمعرض الانتخابات النيابية المقبلة بأن نخص رئيس الجمهورية بعدد من النواب، فيما رئيس الدولة يعلو سلطاتها، ويركن إليه الجميع، بمن فيهم أعضاء السلطة الأم، تحكيماً له عند الشطط والمضض.
حذار، فخامة الرئيس، أن يدرك منك الطامعون بك مدركاً قاتلاً لعهدك ولما تمثل في الموقع، أو أن يستغلك الأقربون أو الأبعدون، فيدركوا مآربهم الخاصة ويأخذوا الوطن إلى الدرك الذي نسعى جميعاً إلى عدم بلوغه، علّنا ننقذه وهو في عين الأعاصير.
إنّ مستقبلك في ماضيك وحاضرك لا في عدد من المقاعد النيابية لا يمكن ولا يجوز في أي حال اختصار الوطن الذي ائتُمنت عليه بها.
* عضو سابق في المجلس الدستوري