صعد «الحاج محمد أبو زيد إلى سطح منزله في «كفر رمان» الذي سوّته إسرائيل بالأرض. سكت هنيهة وهو ينظر الى الأسفل، ثم قال بمرارة «هنا البكاء فوق رأس الميّت». يردف الرجل الذي لا يزال ينتظر تعويضاً عن دمار بيته، فيما تهدد فواتير مترتبة لخدمات الدولة، أثناء ..تهجيره، ميزانيته «نريد التصالح مع بلدنا، لكن دولتنا لا تنفك تشيح بوجهها عنا؛ أهكذا تتحقّق معاني التحرير؟»


كامل جابر
كان من المفترض أن تكون مناسبة انتقال عائلة الأستاذ رشيد ضاهر إلى البيت الجديد المشيّد لتوّه في حارة بلدة «كفر رمان» الشرقية، و«المنتظر» منذ ثماني سنوات أعقبت التحرير، حافز فرح وباب انفراج لعائلة عانت منذ قرابة ربع قرن تهجيراً قسرياً بسبب التدمير الكلّي لبيوت الحارة. إلا أن سيدة المنزل تتنهّد وهي تطلق عبارتها «إن كان الزمن لا يمحو آثار جرح، فكيف للأيام أن تدمل جرحاً نازفاً».
و«القطبة المخفية» في الأمر، هي نتيجة عوامل عدة، تبدأ بالديون المتراكمة قبل «قيامة» البناء الجديد، ولا تنتهي عند إحساس الغبن والتسويف الطويل والانتظار المزمن لتعويضات موعودة من جانب مجلس الجنوب منذ التحرير، لم تتحقق كلياً، أو ما تحقق منها لا يسند خابية في زاوية بيت.
يفتح السؤال بحد ذاته، الجروح غير المندملة التي خلّفها العدوان الإسرائيلي على مئات البلدات والقرى التي كانت تحت نير الاحتلال. وتمثّل بلدة «كفررمان» نموذجاً يتكرر في عشرات المناطق الجنوبية. بيد أن ما وصفه أهالي البلدة بأنه «كيل بمكيالين»، في إشارة منهم إلى التعويضات التي حصل عليها أهالي بلدة «سجد» مثلاً، كان أكثر إيلاماً لمنتظري التعويضات، التي تعيد إليهم حقهم. فبعض القرى المحسوبة على جهات سياسية، قبضت تعويضات: عن التهجير القسري، وعن بيوت «احتلوها» أثناء تهجيرهم، ثم ..مبالغ أخرى للأصول والفروع. أضف إلى ذلك مشاريع آبار ارتوازية وخزانات للمياه ومحطات للكهرباء من أجل عودتهم إلى قراهم، ولم يعودوا».
بالمقابل تركت بلدات مثل «كفر رمان»، برغم إصرار أهلها على العودة. أما الحجة؟ فعدم تأمين الحكومات المتعاقبة بعد التحرير، المبالغ المقررة للتعويض.
ولقد حركت زيارة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى طرابلس أكثر من سؤال عن «حرمان البلدات هنا التعويضات المقررة، والمحررة بشيكات موجودة في مجلس الجنوب، والتي تحتاج فقط الى توفير أرصدة، تمنعها حكومة السنيورة منذ سنوات طويلة، ما يجعلنا نسأل عن مصير هذه الحقوق». يقول رئيس بلدية كفررمان سطام أبو زيد.
ومناسبة كلام أبو زيد سؤال يتردد في الحي الشرقي من البلدة، عن إجحاف طال أصحاب البيوت المهدمة من جانب «مؤسسة كهرباء لبنان»، ومصلحة مياه «نبع الطاسة». فقد عمدت هاتان الإداراتان إلى تسويةٍ وصفها أصحاب الشأن بأنها «فوقية» لعدم مشاورتهم، قضت بإلغاء عداداتهم السابقة، بسبب عدم دفعهم اشتراكات ومستحقات الصيانة خلال ..سنوات التهجير، أي حينما كانت بيوتهم مهدمة كلياً.
تلقى البعض إنذارات بالدفع، وإيصالات مستحقة. وكان عليهم الاختيار: فإما دفع المتراكم أو إلغاء الاشتراك. و«خيرُ هذا بشرِّ ذاك» يقول أبو شكيب، دخيل فرحات، الذي يؤكد «أنني دفعت نحو مليون و400 ألف ليرة ثمن ساعة جديدة. فالمؤسسة قررت إلغاء اشتراكنا القديم، وإلا ستفتح الباب أمام مستحقات قد لا تعد ولا تحصى. لذلك آثرنا اللجوء إلى اشتراك جديد، مع العلم أننا لم نتلق أي مبلغ تعويضاً على أبنية محالّنا التي دمرها الاحتلال. وقبضنا دفعات أولى عن منازلنا المهدمة، وكان الله يحب المحسنين».
حاول هشام أبو زيد، أن يستعيد الاشتراك القديم لعمه، لكي لا يدفع ثمن عداد جديد «إلا أن المؤسسة لم تقبل مع أننا أبدينا استعدادنا للدفع، ولقد أصرّت على ان التسوية الحاصلة هي في الغاء جميع الاشتراكات القديمة، وفتح صفحة جديدة».
أما علي حسين مدلج، فقد طلبت منه المؤسسة مبالغ متراكمة على والده المتوفي «ولم أرد أن أقول لهم الحقوه وطالبوه». ويضيف «وباشرت إلغاء الاشتراك القديم، وبعدما دفعت مبلغ 120 ألف ليرة؛ وبعد البحث في الملفات، أبلغت بأن الاشتراك ملغى منذ نحو سنة، ولم يعد بإمكاننا أن نرد لك ما دفعته!!».
سيرة المياه والكهرباء وما دفعه زوجها ثمن اشتراك جديد للكهرباء بلغ نحو 600 ألف ليرة، جعلت أم سعيد ظاهر تتذكر وتذكّر، بجلسة مجلس الوزراء الشهيرة عقب التحرير عام 2000، في مدينة بنت جبيل، وأهم مقرراتها التي تحدثت عن إعفاء ضحايا الاحتلال الاسرائيلي من رسوم المياه والكهرباء.
غير أن الأمر يفتح «شهيتها» المسدودة، على جملة من الأسئلة عن التعويضات المستحقة «فالديون التي تراكمت علينا حتى بنينا هذا البيت، بطلوع الروح، لن نستطيع دفعها قبل عشر سنين. ونحن مثل غيرنا لم نزل ننتظر التعويضات. تلقينا الدفعة الأولى، ولم نتجاوز 12 بيتاً، ورفضنا سابقاً مبالغ كانت مقررة لا تتجاوز 120 ألف ليرة، ثم عدلت إلى 20 مليوناً، ثم قيل لنا إنه ستجري مساواتنا بغيرنا من أصحاب البيوت المهدمة كلياً».
يطل بيت أم سعيد ضاهر جنوباً على بيت «سلفها» المهدّم كلياً. ومن الشمال على إطلال منزل محمد أبو زيد، الذي بنت عائلته بتعويض سنوات الخدمة في «سلك الدولة»، بيتاً متواضعاً في الحي الجنوبي الغربي.
يقف أبو زيد على أطلال منزله المهدمة منذ عام 1985. عزاؤه في بيت بناه الأبناء في مكان آخر يعدّه خيمة تقي من الذل والاستجداء: لا أمل في الأمد القريب أن يستيقظ "ضمير الدولة ومجالسها للتعويض علينا وتسديد حقوقنا المسلوبة» يقول وهو يهز برأسه.