هشام الأعور

يبدو أنّ عاصفة الجبل التوحيدية لم تهدأ حتى الآن في ما خصّ موضوع تحديد وجهة الدروز والصراع السياسي الدائر بينهم نتيجة تغيّر التحالفات وتبدّل المواقف بين أحزابهم وتياراتهم السياسية، وفقاً لمصالح عديدة أخذت تواكب عصر التسابق على قطف زهرة اتفاق الدوحة الذي جاء عقب أحداث السابع من أيار الماضي.
بهذا المعنى، راحت فكرة التجاذبات السياسية تنحني على مفصل الأحداث الآنيّة، وتخيم على خطابات القيادات الدرزية حتى بتنا أمام إطار جديد للتشكيل السياسي داخل الطائفة، الذي برز معه موضوع الثنائية كاتجاه مغاير لكل التشكيلات التي سادت ما قبل بروز حركة رئيس تيار التوحيد اللبناني الوزير وئام وهاب الذي حاول دفع الطائفة نحو مشروع التطور السياسي والاتجاه اللاطائفي والسير في ركاب الدولة المدنية، وهذا ما أدى إلى انحسار الثنائية الجنبلاطية ــ الارسلانية المصطنعة لتقوم محلها ثنائية جديدة يمثّل فيها تيار التوحيد العمود الفقري في تثبيت هوية الدروز العربية وتأكيد دورهم الوطني والقومي في مواجهة كل ما يحاك ضدهم من مكايد وفخاخ سياسية. إزاء هذا الواقع المستجد على الساحة الدرزية دخل الموحدون الدروز في مسار سياسي جديد متوزعين على معسكرين: إقطاعي يريد إبقاءهم عند هاجس الأزمنة المضطربة وحقب القلق والخوف من الآخر، وآخر شعبي تمرد على كل الأفكار البالية التي أدخلت بني معروف في دائرة مغلقة من الجهل والفقر والحرمان وحوّلتهم إلى شريحة ليس المطلوب منها سوى تقديس شخصية الزعيم وتعطيل إمكان تبصّر المصير عندهم.
وبين قلق البعض وثورة البعض الآخر، يجد الدروز أنفسهم أمام معادلتين سياسيتين تختلفان من حيث العقلية والنفسية في مخاطبة قاعدتيهما الشعبيّتين، كما تتعارضان عند طرحهما لمقتضيات البناء الداخلي ومجابهة الأخطار المحدقة بالوطن.
هكذا، بات المجتمع الدرزي قائماً بتركيبته الجديدة ونظامه وتياراته السياسية والاتجاهات التي تتجاذبه في هذه المرحلة، على صورة مصغرة للمجتمع السياسي اللبناني الحاضر أو الجنين الذي شبّ على صورة المجتمع الحالي. وقد تكون المرة الأولى التي تشهد فيها الطائفة الدرزية صراعاً من هذا النوع، ليس بين قبيلتين: قيسية ويمينية، أو ما بين الجنبلاطية أو اليزبكية، بل انقساماً حاداً بين معسكرين يتوزع عليهما أبناء الجبل حتى كادت بعض العبارات والشعارات تفقد معانيها الأساسية بسبب تشويه السياسة التطبيقية لها أو تضمينها مفاهيم محرفة، مثال ذلك التقدمية والديموقراطية اللتان مثّلتا الواجهة لاستمرارية حكم الإقطاع والأمراء الذين سلكوا نظاماً سلطوياً وحصروا عملهم في إطار المصالح الشخصية الأنانية.
في المقابل، ظهر رأي يحدوه شعوره ثابت وأمل صادق بإمكان خرق الحركة السياسية التقليدية داخل الطائفة الدرزية من خلال إطار صحيح للبناء الوطني وللامتداد والتواصل مع التيارات السياسية الأخرى التي نجحت بدورها في وضع أبنائها في صلب حركة المجتمع والفكر السياسي المعاصر القادر على تحمل تبعات الأزمة السياسية عموماً.