عمر نشّابة

تتقدم آلية عسكرية ضخمة بين السيارات في أحد شوارع المدينة. يقفز منها شبان بلباس كحلي اللون وجعب سوداء ‎محشوة بمظاريف الرصاص، يحملون رشاشات حربية نوع كلاشنيكوف. لحظات قليلة تمر بعد توقف الشاحنة الحربية، يتبعها صوت خبطات جزمات العسكر وهم يقفزون من خلف الآلية المغطاة بشادر بنّي. الشاحنة مموّهة بلون رمليّ خاص بالآليات العسكرية في حروب الصحراء. يتفقّد الضابط المجموعة القتالية المتأهّبة قبل توزيع الأوامر العسكرية، ومنها التمركز في زوايا الطرق وعلى تقاطعاتها. «ما تتعاطوا مع حدا، إذا في شي بتراجعوني، مفهوم؟».
لا يخفي معظم ضباط قوى الأمن الداخلي ولَعهم بالعسكر والعمليات الحربية. فاللباس المرقّط والعتاد الحربي، كما السيارات الرباعية الدفع والآليات المدرّعة، يرى فيها البعض دليلاً على تطوّر قوى الأمن. غير أن المخافر والفصائل، حتى النموذجية منها، لا تزال تفتقد الحاسوب والنظارات المناسبة وغرف التحقيق المجهّزة بأبسط التقنيات.
عسكرة الشرطة غير مناسبة في الدول المتطورة، والبديل منها في بعض الدول النامية هو «مخبرة» الشرطة، أي تحويلها إلى جهاز استخبارات يسهل توظيفه لخدمة مصالح بعض القوى السياسية. لكن الشرطة وظيفة بحدّ ذاتها، لذا ينبغي أن تتميّز في مظهر عناصرها وضباطها وتجهيزهم وتصرّفهم عن الجيش والجمارك والأمن العام وأمن الدولة.
إن المظهر الحربي، كما المظهر المدني المسلّح للشرطة، يقوّض قدرتها على خدمة المواطنين، ويفتح المجال واسعاً أمام انتهاك حقوق الإنسان.
في كل مرة يثار موضوع تجنّب قوى الأمن للعنف والعسكرة والاستخبارات، تعلو بعض الأصوات بين الضباط تقول «هذا يضعف معنويات العسكر» أو «شو؟ ما بدكن يانا نشتغل؟». يؤكد ذلك الحاجة إلى نقل بعض الضباط من قوى الأمن إلى مؤسسة الجيش أو إعادتهم إلى المعهد للتدريب المناسب، لأن المفهوم الأساسي لوظيفة الشرطة غائب لديهم.
إن مهنة الشرطة تفرض على ضباطها وعناصرها الاحتراف في التعاطي مع الحوادث الأمنية والجرائم. ويُفترض أوّلاً أن يعلم الضابط والشرطي أن لا سلطة غير المنصوص عنها في القانون، وأن لا صلاحية لقوى الأمن بالإدانة أو حتى الاتهام، بل الاشتباه وأخذ الإجراءات المناسبة بإشراف القضاء.