محمد سيد رصاص *

كانت اللوحة آنذاك تعطي إشارات على رعاية واشنطن لتحالف أفريقي، من دول «منظمة إيغاد» (أوغندا وكينيا وإثيوبيا وإريتريا)، من أجل معالجة ملف جنوب السودان، وعلى تشجيعها لفرض العزلة على نظام الخرطوم من تلك الدول المحاذية حدودها للسودان، إضافة لمصر، فيما حصلت رعاية أميركية وثيقة لحركة التمرد الجنوبية بزعامة العقيد جون غارانغ، التي كانت بزمن الحرب الباردة في صف السوفيات وحليفهم الإثيوبي (هيلا ميريام)، وأيضاً للتجمع المعارض الذي ضم الأحزاب السودانية الشمالية، بما فيها الشيوعيون.
أمام ذلك كله، حاول نظام الترابي ـــ البشير فك عزلته عبر فتح قنوات مع فرنسا التي سلّمها كارلوس في 1994، ومن خلال منح امتيازات نفطية للشركات الصينية، وأيضاً عبر إقامة علاقات وثيقة مع طهران. ورغم هذا فقد ولدَت اللوحة الدولية ـــ الإقليمية ـــ الداخلية طريقاً مسدوداً أمام ذلك النظام، لم تنفع معه انفتاح كوات في تلك اللوحة، كما جرى في أعقاب التقارب الإثيوبي ـــ السوداني عقب الحرب الإثيوبية ـــ الإريترية في 1998.
وقد أدى هذا إلى انفجار التناقضات بين طرفي ذلك النظام حول الخيارات، التي تصادم قطباه من خلال «خيارات الدولة» و«خيارات الحركة الإسلامية»، حتى حُسم ذلك الصراع في يوم 12 كانون الأول 1999عندما أبعد الفريق عمر البشير الدكتور حسن الترابي من السلطة.
قاد هذا إلى انفراج في علاقات النظام السوداني مع الدائرة الإقليمية، مع مصر والمحيط الخليجي العربي، وإلى تيسير سكة المفاوضات مع المتمردين الجنوبيين، برعاية «الإيغاد»،حتى الوصول إلى اتفاقية مشاكوس (2002)، التي كان من الواضح فيها اتجاه الأمور لمصلحة الجنوب في مواضيع (تقاسم السلطة والمناطق والثروة)، وهو ما ازداد اختلالاً في «اتفاقية نيفاشا» (2005)، التي أتت بعدما ازداد ضعف نظام الخرطوم إثر نشوب تمرد دارفور في 2003، حيث كان من الواضح، منذ تفرد الفريق البشير بالسلطة، بأنه كلما قدم تنازلاً مرضياً لثالوث (المركب الدولي ـــ الإقليمي ـــ الداخلي) تزداد شهية الطرف الآخر أكثر، من دون إعطائه صك الرضى الدولي، كما حصل مع العقيد القذافي منذ تنازله عن البرنامج النووي الليبي في أواخر عام 2003. كما أن «الدولي» كان يشجع «الداخلي» ضد أي محاولات لتبريد الوضع السوداني أو حلحلة بعض مشاكله، كما جرى في «اتفاقية أبوجا» (أيار2006)، لما اتفق نظام الخرطوم مع حركة تحرير السودان (فصيل أركي مناوي)، وبرعاية نيجرية ـــ ليبية، على حل لأزمة دارفور، حيث شجعت واشنطن الفصيل المنشق عن مناوي بزعامة عبد الواحد محمد نور، وأيضاً حركة العدل والمساواة المنافسة، على عدم الانضمام للتوقيع على تلك الاتفاقية، ثم على رفضها، ما جعلها حبراً على ورق.
من هذا السياق، يمكن أن يأتي القرار الأخير لمدعي عام (المحكمة الجنائية الدولية)، البشير، ليبيّن أن الأمور التي بدأت بين واشنطن والخرطوم منذ أوائل التسعينيات، هي أبعد من مظهر إسلامية حكام الخرطوم، وخاصة إذا أخذنا فترة ما بعد عام 1999 لما أظهر نظام الفريق البشير براغماتية قصوى أعطت استعدادية للمضي إلى آخر الشوط تجاه ما تريده واشنطن منه، إن ضمنت بقاء نظامه، وتوقفت عن دعم عملية إبقاء السودان مشتعلاً، كما في دارفور الآن، أو قابلاً للاشتعال مثلما هي الحال في الجنوب الراهن وفي إقليم كردفان.
هنا، ربما يعطي هذا القرار إشارات على قطوع جديد ينوي «الدولي» وضع السودان على طريقه، مثلما كانت عملية حصار 1991 حتى 2003 إشارةً إلى قطوع أراد «الدولي» وضع العراق عليه، ليتمثل هذا لاحقاً في «أجندات» حرب 2003: هل هذا الاستهداف المنهجي من جانب واشنطن للسودان، الذي أصبح عمره عقدين من الزمن تقريباً، يجد تفسيره فقط في النفط الذي يعوم السودان فوقه من خلال إقليمي الجنوب ودارفور، أم إن الأمر أبعد من ذلك ليطال الاستراتيجيات الأميركية للقارة السمراء، التي يبدو أن آليات تنفيذها لا يمكن أن تنطلق بدون قطع (وتفكيك) الجسر الواصل بين العرب والأفارقة المتمثل في دولة السودان، في وقت وضح فيه الاتجاه الأميركي إلى تهميش الدور الإقليمي جنوباً للدولة العربية الأفريقية الكبرى، ممثلة في مصر، التي مُنعت أميركياً (رغم النيل) من أي دور في قضية الجنوب السوداني، ثم حصل ذلك ثانية في مسألة دارفور، ليتكرر هذا في مشاكل القرن الأفريقي، فيما أعطيت إثيوبيا ذلك الدور المحوري الذي وصل إلى الرعاية الأميركية للغزو الإثيوبي للصومال، وقبلها أوغندا في مشاكل رواندا وبوروندي والكونغو والسودان؟
* كاتب سوري