سعد اللّه مزرعاني *

التغيير في الولايات المتحدة الأميركية، هو وعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في الرابع من تشرين الثاني. حتى جون ماكاين، يعد ناخبيه بشيء من التغيير. أما باراك أوباما فالتغيير هو العصب الأساسي في حملته. وكانت انتخابات مجلس النواب الأميركي في السنة الماضية، قد حملت طلائع هذا التغيير، حين استحوذ الحزب الديموقراطي على الأكثرية بدلاً من الحزب الجمهوري. وفي دلالة متصلة، طالبت لجنة بيكر ـــ هاملتون، هي الأخرى، بإحداث تغيير في سياسة واشنطن حيال عدد كبير من القضايا الدولية، على الأقل في أساليب التعاطي مع هذه القضايا.
لا جدال في أن المحفّز الأساسي للتغيير في سياسات الولايات المتحدة الأميركية، إنما يكمن في إخفاقات إدارة بوش في عدد من الملفات الدولية. ويقع الشرق الأوسط في مقدمة هذه الملفات. فهذه المنطقة التي اختارتها إدارة بوش (المحافظون الجدد فيها خاصة) حقلاً لاختبار مشروع قوة وهيمنة، ناجح وصاعق، قد حملت للإدارة المذكورة التعثر والصعوبات والمتاعب.
لا شكّ بأنّ التغيير موضوع الحديث في الانتخابات الأميركية، هو في صيغتيه الديموقراطية (أوباما) والجمهورية (ماكاين)، تغيير جزئي، ولو اختلف الحجم بين فريق وآخر، وخصوصاً في حمى المعركة الانتخابية. إنه تغيير تثيره أو تستدعيه صعوبات طارئة، ومشاريع خائبة، وتحديات متزايدة، وخصوصاً في المجال الاقتصادي، وفي الميدان الأمني... أي إنه لا يذهب إلى العمق، ولا يقارب، ولو في الشكل حتى، عناوين التغيير الجذري المطلوب في سياسات هذه الدولة التي تحتل الموقع الأول في العالم من حيث قدراتها العسكرية والاقتصادية والتجارية والعلمية والإعلامية...
وللمفارقة، فإن القادة الأميركيين قد اعتمدوا الاستنتاج الأكثر تبسيطاً وسهولة بعد انهيار خصمهم السوفياتي ومنظومته الشرقية. لقد رأوا أن هذا الانهيار هو انتصار صاف لهم، ولنظامهم الذي رأوه نهاية التاريخ (فوكومايا). ولقد ذهبوا أيضاً أبعد حين أقروا استراتيجية لأمنهم القومي (أيلول عام 2002)، تؤكد على الحروب الاستباقية وسيلة لفرض نمط الحياة الأميركية على الشعوب الأخرى، فضلاً عن فرض الهيمنة وممارسة الاستباحة والغزو والاحتلال والقتل والتدمير.
بكلام آخر، لقد أمعن هؤلاء القادة، في نهجهم السابق نفسه، بل دفعوا هذا النهج إلى حدوده القصوى. ويمكن هنا إعطاء بعض الأمثلة والنماذج في بعض الحقول ذات الدلالة وذات الأهمية بالتأكيد:
ـــ خلال 200 سنة من تاريخها، ارتكبت الولايات المتحدة جريمة التدخل العسكري في البلدان الأخرى 379 مرة.
ـــ أكد تقرير معهد «بروكينغز» الأميركي في نهاية عام 1990، أن أميركا تدخلت عسكرياً بين عامي 1945 و1975 في الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط 55 مرة (منها مرتان في لبنان، عامي 1958 و1982).
ـــ بعد إعلان الحكومة اليابانية الاستسلام لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، قررت إدارة هاري ترومان تجربة أسلحتها النووية، فقصفت مدينة هيروشيما في 6/8/1945 بقنبلة ذرية قتلت 78 ألفاً من الأبرياء. ثم كررت العملية بإلقاء قنبلة أخرى على مدينة ناكازاكي، بعد ثلاثة أيام، حيث قتل 25 ألف مواطن. وقد توفي من جراء الإشعاع المستمر نحو 220 ألفاً.
ـــ أثناء الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953، قتلت الجيوش الأنغلو ــ أميركية حوالى مليون ونصف مليون مواطن.
ـــ قتلت القوات الأميركية في فيتنام خصوصاً، وكمبوديا ولاوس، نحو 5 ملايين مواطن.
ـــ حرّضت وكالة الاستخبارات الأميركية على انقلاب دموي في أندونسيا، قتل منفّذوه أكثر من نصف مليون من الشيوعيين والوطنيين الأندونسيين.
ـــ نظمت إدارة الولايات المتحدة عبر الـ CIA أيضاً انقلاب بينوشي في التشيلي الذي أدى إلى اختفاء 130 ألف مواطن.
ـــ أعلن الجنرال الأميركي شوارزكوف عن إبادة 41 فرقة عسكرية عراقية في حرب تحرير الكويت عام 1991، أي ما يعادل 280 ألف جندي (بين قتيل وجريح). ودفن الأميركيون في الصحراء آلاف الجنود العراقيين وهم أحياء (الغارديان البريطانية 13/9/1991).
ـــ نتيجة قصف العراق بالقنابل المغطاة باليورانيوم، بلغ عدد الذين توفوا بالسرطان مليوناً ونصف مليون عراقي، بينهم نصف مليون طفل حسب تقرير «اليونيسيف» لعام 1997.
ـــ استخدام الأسلحة الجرثومية والكيماوية ونشرها كما لم تفعل أية دولة في العالم.
ويمكن إضافة الكثير إلى هذه اللائحة الإجرامية (يراجع كتاب الباحث العراقي الدكتور كمال مجيد)، وخصوصاً بعد غزو العراق عام 2003، وتجب ملاحظة أن المجتمع الأميركي مؤسس على عسكرة غير مسبوقة في التاريخ. فميزانية وزارة الدفاع الأميركية لعام 2002 بلغت حوالى 700 مليار دولار. وتنفق الإدارة الأميركية على الشؤون العسكرية ثلث ما تنفقه دول العالم مجتمعة، وأكثر من ثلاثة أضعاف ما ينفقه كل أعدائها المحتملين!
وبعد غزو العراق، وقبل ذلك احتلال أفغانستان، ارتفعت أرقام وزراة الدفاع الأميركية حوالى 25 في المئة لتقارب 850 مليار دولار سنوياً!
ويصبح الأمر مفهوماً أكثر، حين نعلم أن 35 مليون أميركي يعملون في المجمع الصناعي الحربي، وأن 10 ملايين من الجنود وعوائلهم يعيشون على نفقة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). كما يصبح مفهوماً جداً أن يختار جورج ماكاين سيدة «كاوبوي»، تصر على أن يحتفظ كل أميركي بسلاحه الفردي، على وسطه، تحسّباً للإرهاب العالمي، وتأكيداً لقيمة طالما حاولت السينما الأميركية خصوصاً، تمجيدها، في نمط الحياة الأميركي!
وتواصل واشنطن سياسة تطوير قدراتها في البر والبحر والجو، عبر مشروع حرب النجوم ونشر شبكات الصواريخ والأساطيل في بلدان وبحار جديدة. وهي تستمر أيضاً في توسيع حلف الأطلسي وتعزيزه، رغم انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، ورغم غياب أي تهديد عسكري لها ولحلفائها من جانب أي دولة في العالم.
إنّ الربط ما بين المجمع الحربي ـــ العسكري، والصفة العدوانية لسياسات قادة الولايات المتحدة الأميركية، لا يستقيم من دون الربط ما بين هذين، وما بين استراتيجيات التوسع والسيطرة لدى الشركات الاحتكارية الأميركية الكبرى.
بكلام آخر، لا يمكن الفصل ما بين السياسات الأميركية داخل الولايات المتحدة نفسها، وفي العالم، والنظام السياسي ـــ الاقتصادي الرأسمالي المعولم.
لقد توقف بعض المراقبين عند زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركية نانسي بيلوسي إلى اليابان، ولاحظوا أنها الزيارة الأولى لمسؤول أميركي، إلى مدينة هيروشيما المنكوبة. وتؤخذ هذه الزيارة على أنها دلالة على نمط جديد في التفكير وفي العلاقات. وفي ظننا أنها زيارة مجاملة، ولن تتعدى هذا الأمر إلى ما هو أبعد: إلى الاعتذار عن أخطر جريمة إبادة ارتكبت، من دون أي مبرر.
بين المجاملة والاعتذار، يقوم بون شاسع ما بين التغيير الذي يعد به المرشحان للرئاسة، وذلك التغيير الفعلي يجب أن يطاول أسساً ارتكازية في البنية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والأخلاقية الأميركية.
ومعركة التغيير في أميركا مداها العالم برمّته. صحيح أن حلقة أساسية تقوم في داخل البنيان الأميركي نفسه، لكن الصحيح أكثر، أن الجهد التحرري العالمي، سيمثّل حلقة في غاية الأهمية، في عملية التصدي لعدوانية النظام الأميركي، باعتبار أن شعوباً كثيرة في هذا العالم (لا بل معظم شعوب العالم) هي ضحيته الأساسية.
لقد تعثر مشروع الإدارة البوشية ببناء «شرق أوسط واسع» يمثل نموذجاً للهيمنة وللنهب وللإكراه وللقمع. مثّل ذلك التعثر خطوة تاريخية في المواجهة. لكن اضطراباً كبيراً قد رافق تلك المواجهة، مما يستدعي التصويب في نطاق بديل تحرري عالمي تتكامل حلقاته، بشكل مطّرد، في الحقول السياسية، والاقتصادية والأمنية...
إنها مهمة تاريخية حقاً، في مواجهة لن تنتهي حتماً، إلا بانتصار قيم العدالة والمساواة والحرية والتقدم.
* كاتب وسياسي لبناني