في كتيّبهم «الحمى: أسلوب حياة»، يلفت الباحثون هالة كيلاني، أسعد سرحال وعثمان ليلوين إلى أهمية الحفاظ على تقليد الحمى الإسلامي وتفعيله لتوفير الاستخدام المنصف للموارد الطبيعة وللحفاظ على التنوع البيولوجي والحد من التصحر


رنا حايك
الحمى هو نظام تقليدي لإدارة الموارد الطبيعية، اتّبع منذ ما يزيد عن 1400 عام في شبه الجزيرة العربية. هو عبارة عن قطعة أرض تحفظ وتستعمل خلال مواسم محددة فقط بهدف إعادة تجديد حيويتها، فتكون بذلك بمثابة «مرعى محفوظ»، يعرّفه القانون الإسلامي بــ«المنطقة الطبيعية التي توضع جانباً، دائماً أو موسمياً، من أجل المصلحة العامة».
ساهمت هذه الممارسة على مرّ العصور في حماية المصادر الطبيعية والتنوع الحيوي في شبه الجزيرة العربية، وفي إشاعة الاستخدام المستدام للمصادر الطبيعية المتجددة من جانب الأهالي الذين يقطنون بمحاذاتها ولأجلهم.
استمر وجود الأحماء حول المدن وفي المناطق القبلية الريفية على امتداد القرون الوسطى، وفي عهد الخلفاء الراشدين الذين أسّسوا أحماء للخيول والجمال وخصّصوها للخير العام ولماشية الفقراء. فقد كانت الإدارة المركزية القوية قد منحت السلطة لزعماء العشائر لإنشاء الأحماء وإدارتها، واستمر السكان المحليون في إدارة الأحماء والعناية بالمراعي حتى النصف الأول من القرن العشرين،حين أدت التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة إلى تدهور هذا النظام. فقد أدى سقوط الإمبراطورية العثمانية إلى سيطرة الدول الجديدة ولجوئها إلى تأميم أراضي القبائل، كما أدت زيادة الطلب على المنتجات الريفية، واللحوم خاصة، إلى ممارسة الرعي الجائر وتدهور الأنظمة المستدامة لاستخدام الأراضي.
إلا أن العاملين في مجال الحفاظ على الطبيعة يجمعون على أهمية تطوير هذا النظام، لما يمثّله من حلقة وصل بين المحافظة على الموارد القابلة للتجدد والتنمية المستدامة. ففي ظل ما أدّت إليه الأنظمة الحديثة للحفاظ على الطبيعة، ومنها المتنزّهات العامة والمحميات الطبيعية، من أضرار، كهجرة السكان الأصليين وإفقار المجتمعات المحلية من خلال حرمانها من استغلال مواردها، يدرس العاملون في مجال الحفاظ على الطبيعة اليوم الأساليب والطرق الممكن اعتمادها لإعادة إحياء نظام الحمى مجدداً.
وإعادة الإحياء لا تعني نسخ النظام القديم، بل إعادة تنشيط طرق حماية مبنية على أسس نابعة من تراث المنطقة العربية وثقافتها.
وبالتالي، يجب أن ترتكز هذه الأسس على مبادئ المشورة والتوزيع المنصف والاستخدام المستدام للموارد. فعلى الأنماط التقليدية كالحمى أن تتكيف مع التغيرات الاجتماعية والقانونية والاقتصادية لتلبية حاجات المجتمعات المحلية الحديثة: فإدارة الأحماء التقليدية يجب أن تنتقل من تلبية أهداف قبلية إلى تلبية أهداف جغرافية تخدم المصلحة العامة. ولتحقيق ذلك، هناك حاجة لإصدار تشريعات تساعد على المحافظة على الأحماء القائمة، من خلال تضمينها بنوداً تمنع التمييز والنزاعات، وتشمل طرقاً فعالة لحل النزاعات وتضارب المصالح.
في لبنان، أظهرت تجربة جمعية حماية الطبيعة في إحياء نظام الحمى أن الناس على استعداد أكبر لقبول مبادرات الحفاظ على الطبيعة عندما تكون هذه المبادرات نابعة من تراثهم، ففيما عارض الناس إنشاء المحميات الطبيعية، تحمسوا بشدة لإنشاء الأحماء، وخصوصاً بعد تحقيق المحاولة الأكثر نجاحاً حتى الآن في منطقة الشرق الأوسط: إعادة إحياء حمى إبل السقي.
فقد أنشأت الجمعية، بالتعاون مع أهالي القرية، مشروعاً بيئياً على أرض مشاع تقع ضمن مسار الطيور المهاجرة، وبعدما كان الحمى التقليدي لهذه القرية يستعمل سابقاً للرعي وجمع بذور الصنوبر وتربية النحل فقط، أصبح يستعمل اليوم بصورة رئيسية للسياحة البيئية، ومن ضمنها مراقبة الطيور ونشاطات رياضة المشي في البرية.
بعد سماعها بما حصل في إبل السقي، بادرت البلديات والسلطات المحلية فيها إلى الاتصال بالجمعية لإنشاء أحمائها وتطويرها أيضاً.
إن الحمى ذو أهمية خاصة حالياً، حيث تبتعد سياسات حماية الطبيعة من نماذج «المتنزّهات الشاسعة» إلى مبادرات حماية تعتمد على جهود المجتمعات المحلية وعلمها، والتي تقوم أحياناً على الشراكة مع السلطات المحلية. تتضمن مبادئ الحماية على أساس المجتمع المحلي تعزيز هذا المجتمع، والاستخدام المنصف والعادل للموارد، وحماية معرفة السكان الأصليين وتقاليدهم، والاعتراف بالحقوق التقليدية لهم.
والأحماء الباقية يجب أن تستخدم بفعالية في المحافظة على الطبيعة. الكثير من هذه الأحماء تقع في مناطق ذات تنوع كبير، وكثير منها تمثّل حاضنة مهمة للتنوع البيولوجي. ويُعدّ الدور الذي تلعبه الأحماء، كونها مخزناً للبذور لإعادة تأهيل أراضي الرعي، مهماً جداً، وسوف يزداد أهمية بزيادة الضغوط على الرعي والتنمية.