زحمة سير في وادي قاديشا. الحافلات المحملة بالزوار تتسابق على الطريق الترابي مع السيارات المجهزة للوصول إلى فسحة خضراء وإقامة حفل الغداء. النار موقدة تحت الأشجار ، والطبول تقرع. تلك هي صورة الوادي نهاري السبت والأحد حيث يتراوح عدد الزوار بين 700 و1000 شخص في كل من اليومين على موقع تراثي مصنف من قبل منظمة اليونيسكو


جوان فرشخ بجالي
فريد بو فرنسيس
كلٌ يغني على ليلاه في وادي قاديشا، ويرى نفسه في منتزه عام لا شروط فيه ولا ضوابط، في حين أن الجميع موجودون على أرض صنفتها منظمة اليونسكو على لائحة التراث العالمي. أرض يفترض بالحكومة اللبنانية، وبكل فعاليات المنطقة والبلديات، وخاصة البطريركية المارونية (أحد أكبر مالكي عقاراتها)، القيام بالمستحيل للمحافظة عليها. ولكن، مما لا شك فيه أن لا أحد يقوم بواجبه كاملاً في هذا المجال. فالنفايات مرمية على الأرض بين الأشجار وفي مياه النهر، بينما تتمدد مساحة المطاعم المبنية وغير المرخص لها مع كل موسم. أما المراهقين ومحبي العزلة، فلهم في الوادي مخيمهم الليلي...
يخرج زائر وادي قاديشا بانطباع موحّد: إنها أرض شبه سائبة.
فلا قانون فعلي يطبق هناك، باستثناء أولئك الحراس الستة الذين يجوبون الوادي ويحاولون مراراً إقناع الزائرين بالتزام الصمت وعدم استعمال الأدوات الموسيقية الصاخبة، والانتباه إلى النيران... فهم كما يقول أحدهم «لا يملكون أية صلاحيات إلاّ التفاهم والتفاوض، والاتصال بسريات الشرطة في قضاء بشري حين يعجز الكلام». هذا ما حدث في الأسبوع الماضي حين نزل إلى الوادي شبان من بشري وحدشيت يرتدون الزي العسكري، مدججين بالسلاح وبقناعتهم أن دورهم يكمن في «حماية الأرض من الغرباء». فأمضوا الليل في الوادي، و«احتكّوا» ببعض الشبان المخيمين... إلى أن تعرّض لهم حراس الوادي وسألوهم عن هدف وجودهم بكامل العدة والسلاح، فأتى الجواب بأنهم يريدون تجربة السلاح الذي حصلوا عليه أخيراً. وبما أن السلاح غير مرخص، تمكنت الشرطة من إلقاء القبض على الشبان ورميهم في السجن، بانتظار المحاكمة.
كانت تلك الحادثة بمثابة تجربة لحراس الوادي الذين باتوا منذ شهر فقط يعملون تحت إشراف «مجموعة الحفاظ على وادي قاديشا»، بعدما كانوا تابعين لاتحاد بلديات بشري. وهم غير مسلحين أو حتى مزودين بأجهزة لاسلكية، ولكن وجودهم الدائم يعيق التعديات لأنه يوحي بوجود سلطة ما في المنطقة. يشرح المطران سمير مظلوم رئيس «مجموعة الحفاظ على وادي قاديشا»، تكوين المجموعة، فيقول:» إنها تضم ممثلين عن المالكين في الوادي وهم البطريركية المارونية، الرهبنة المريمية المارونية، بالإضافة إلى اتحاد بلديات قضاء بشري واتحاد بلديات قضاء زغرتا المشرفين على الوادي، وعدد من المؤسسات التي تهتم بالبيئة والتراث والتاريخ. يجتمعون كل شهر تقريباً في انتظار أن تتكوّن هيئة عامة من المؤسسات السابقة الذكر والتي تضمّ هيئة إدارية مؤلفة من 18 شخصاً يمثلون الفئات الثلاثة.»
أما عن التعديات الحاصلة في الوادي، فيجيب المطران مظلوم: «إن كل ما يحصل الآن في الوادي من حركة للزوار ومرور للسيارات والنشاطات الكشفية، مؤذٍ للوادي ولمحتوياته، ونحن نعمل على تأمين البديل لإيقاف مثل هذه التعديات اللاقانونية على الطبيعة. فإذا أردنا منع السيارات من التوغل علينا إيجاد مواقف لها، ونحن الآن نعمل على إنشاء موقف كبير للسيارات عند مدخل الوادي المجاور لدير مار ليشع. هناك تتجمع الباصات الكبيرة والصغيرة، وينتقل الركاب منها إلى داخل الوادي إما سيراً على الأقدام أو بواسطة باصات صغيرة محددة خاصة للأشخاص الذين لا يستطيعون السير لمسافات طويلة. ونحن نعمل على هذا المشروع بعدما حصلنا على تمويل من الحكومة الإسبانية، والأمر نفسه سوف ينطبق على الزوار والحركات الكشفية وعلى أصحاب المطاعم المنتشرة في داخل الوادي، ولكن هذا يتطلب عملية واسعة لإقناع الناس أولاً بضرورة الحفاظ على الوادي وثانياً على قدسيته الفريدة».
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بحسب شروط المخطط التوجيهي الذي يُعدّ الالتزام به بمثابة ضمانة، أولاً لتصنيف الوادي على لائحة التراث العالمي وثانياً للمحافظة عليه، يمنع استعمال السيارات داخل الوادي، ويمنع التخييم وإشعال النار.
كما أن المخطط يطالب بإزالة المطاعم، وإيقاف رمي النفايات والمياه المبتذلة، وتشييد مبانِ جديدة في محيط الوادي، إلا أنه يلحظ تنمية الوادي الإقتصادية من خلال تحويله إلى مركز للسياحات البيئية، الثقافية والدينية. والجدير بالذكر أن تصنيف الوادي يعود إلى سنة 1998، والمحزن أنه خلال السنوات الماضية لم يُعمل فعلياً للمحافظة عليه، إلى أن وصلت به الحال إلى ما هي عليه اليوم.
هذا بالإضافة إلى أن هذه البقعة المصنفة عالمياً أصبحت مركزاً للتخييم الكشفي وغيره. ففوج الكشاف الماروني في بشري مثلاً، والمؤلّف من 120 شخصاً، بات يضرب خيامه سنوياً ولمدة 10 أيام في عقار تابع لبلدية حدشيت. وهذا ما يقوم به أيضاً كل محبي التخييم بعد الإستحصال على إذن من البلدية. ويقول أحد حراس الوادي «إننا مدركون أن التخييم ممنوع، ولكن عندما يستحصل الزائر على إذن من مالك العقار، لا يعود في مقدورنا منعه من المبيت، فهو على أملاك خاصة». ويؤكد رئيس بلدية حدشيت نبيل الزريبي: «أن المخيمات الكشفية والشبابية التي تُقام في الوادي تكون عادة في منطقة تابعة عقارياً للبلدية. وأن البلدية قررت منذ فترة منع التعديات التي تحصل في الوادي لما تخلّفه من أضرار مباشرة على البيئة جراء الإهمال والجهل في التعاطي مع الطبيعة، بالإضافة إلى حركة مرور السيارات وتحرّكها المؤذي في عمق الوادي المقدس. وقد جاء هذا القرار نتيجة تكرار حوادث الحرائق في لبنان. ولكن بسبب الضغط الحاصل علينا من الأهالي والسكان الذين اعتادوا أن يرتادوا الوادي إما للتنزه وإما للتخييم، أجبرنا على التراخي بهذا الموضوع».



قرار نتمنى أن لا يكون ثمنه غالياً جداً، فالحرائق تجتاح لبنان من دون أن يضرم المخيمون نارهم، فكيف إذا أضرموها !
وإزاء وضع وادي قاديشا المتردي جداً، يقول جوزيف كريدي، مسؤول مكتب اليونسكو في بيروت:«على السكان المحليين حماية الوادي من التعديات. هذه إحدى أولى واجبات البلديات التي تتمتع بالدور الأول في المحافظة على قاديشا. فمنظمة اليونسكو لا تستطيع أن تحمي المناطق المصنفة، هي فقط تنذر بأن الوضع يسوء شيئاً فشيئاً، وهذا ما يؤدي إلى رفع الوادي عن لائحة التراث العالمي. فالخطر محدق فعلياً بالموقع ككل».
الوضع في وادي قنوبين ينذر بالأسوأ، وزيارة الوادي تترك لدى الزائر انطباعاً قوياً بأن فعاليات المنطقة وأهلها يعملون كلهم ويجهدون أنفسهم لرفع الوادي عن لائحة التراث العالمي، حتى تخلوَ لهم الساحة ويحوّلوه إلى مركز سياحي رخيص، ليستثمروه ويجنوا الأموال.
ولماذا نجحت تجربة المحميات الطبيعية في كل أرجاء الوطن وفي بشري وإهدن بينما يستحيل حماية وادي قنوبين من تعديات أهله أولاً عليه؟ وما الذين يمنع القيمين على اتخاذ القرارات السياسية الضرورية للمحافظة على الموقع وفرض تنفيذها، بما أن التفاوض لم ينفع خلال السنوات العشرة الماضية؟



دور المجموعة

عن دور «مجموعة الحفاظ على وادي قاديشا» يقول المطران سمير مظلوم: «دور المجموعة هو الحفاظ على الوادي والسهر على تطبيق القوانين التي تفرضها اليونيسكو، وهذا الحفاظ يتطلب تأهيل الوادي، بما فيه من مداخل وطرق وأماكن استقبال، إضافة إلى توعية الناس على أهمية الحفاظ على الوادي المصنف عالمياً، والسهر والحفاظ على الأماكن المقدسة من أديار وصوامع وغيرها، والعمل على ترميم ما يجب ترميمه وعدم المس به، إضافة إلى الحفاظ على الطبيعة. وهذه أمور يلزمها السعي الدائم للقيام بمشاريع لتأهيل الوادي وترميمه، ومساعدة الأهالي فيه وفي محيطه، وهذا ينعكس إيجاباً على المنطقة بكاملها ويجعلها مقصداً للزوار من كل أنحاء العالم».



وثيقة

فندق دير قزحيا يغيّر واقع المكان

الوضع في دير ما أنطونيوس قزحيا، التابع لوادي قاديشا وللتصنيف على لائحة التراث العالمي، سيئ أيضاً. فالفندق الذي دشن في جوار الدير (راجع الأخبار 28/6/2008)، بدأ يستقطب الزوار وحفلات الأعراس. ففي الساعة الثامنة مساءً يتنفس الزائر وطالب الصلاة رائحة المازوت ويستأنس بصوت مولّد الكهرباء الذي استحدث خصيصاً لإنجاح الحفلة. الموسيقى وضحك الساهرين يصدح في أرجاء الوادي الذي صنّف لأنه كان يحافظ على تاريخه، وثقافته وعاداته المبنية على الصلاة. أما اليوم، فزائر الدير بات يبحث عنها في أرجاء البناء الحديث.
ولإعطاء إحساس «بالتقوى»، فقد ترك رهبان الدير مناديلَ على الباب، طالبين من الزائرات الاحتشام! احتشام مفروض خارج مواعيد الأعراس طبعاً. بعض الرهبان يقفون مذهولين أمام هذا المشهد، محاولين إخفاء غضبهم، فهم أتوا الدير للصلاة. أما الزوار فيؤكدون أنه ما من رابط فعلي بين الدير اليوم وفي الأمس القريب. فجوهر المكان بدأ يتغير ويضيع.