غسان سعود

جلسات عدّة مع وزير الإعلام اللبناني طارق متري، ولم نستطع حلّ المعضلة: كيف نحيط بوجوهه المتعدّدة؟ ما هو القاسم المشترك بين الوزير، والمثقف، والأرثوذكسي غير الطائفي، والعروبي، واللبناني، والأستاذ الجامعي، والكاتب والباحث الاجتماعي، والطرابلسي والبيروتي...؟ وكيف تتعايش كل الجوانب عند الرجل المتواضع الذي أمامك؟
لا يفكّر الوزير كثيراً في السؤال. هو أصلاً تفتّح على الحياة في مدينة طرابلس، عاصمة الهويّات المتصالحة، حيث اختبر للمرة الأولى ما معنى أن يكون تلميذاً في مدرسة الفرير ــــ المسيحية الغربيّة، وناشطاً فاعلاً في الشبيبة الأرثوذكسيّة ــــ المسيحيّة الشرقيّة، ومنتمياً إلى القضايا العربية، من ثورة الجزائر إلى عبد الناصر، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية. ومن أحياء المدينة الحافلة بالمثقفين إلى الجامعة الأميركيّة، حيث استقر في رأس بيروت ــــ «جمهوريّة التنوع» ــــ ليكون مرةً واحدةً في قلب بيروت والعالم العربي والعالم.
«طبعت الهويات المتصالحة حياتي. نجحت في أن أكون المثقف، والأكاديمي، والناشط المدني، والأرثوذكسي الممارس كنسيّاً وثقافيّاً، والمسيحي الشرقي، واللبناني، والعربي، وغيرها. وأنزعج كثيراً حين يختزلني بعضهم (وخصوصاً معارفي) في بعدٍ واحد». يعترف معالي الوزير بصعوبة تعايش الهويات حين يكون صاحبها في موقع المسؤولية: كيف يمكن التوفيق بين المشاعر والخيارات وتوقّعات الآخرين من الوزير؟ وبنبرة جادة، يستغرب التناقض بين الخيارات والمشاعر لدى بعض الناس... إذ كيف يؤيد المقاومة مَن لا يمثّل العداء لإسرائيل أحد مكوّنات شخصيته؟ وبرأيه، يفترض أن يكون حليفك السياسي هو صديقك، إذ لا يمكن أن تتحالف مع مَن لا يشاركك معظم مكوّنات ثقافتك.
في السياسة أيضاً، يعلن متري ــــ «المستقل لا الحيادي» كما يقول ــــ عن قناعات جديدة: «لا شيء في السياسة نهائي وثابت. انتهى عهد الإيديولوجيا، وقراءة الواقع على أساس الموقف المسبق»، مبدياً رفضه كل أشكال الثنائيّة «التي تُغشي العينين». هكذا يحرّر نفسه من أيّة مساءلة عن تأييده فريقاً سياسياً كل ما فيه مناقض لخياراته السابقة، عبر التشديد على رفض الثنائيات، مؤكداً أن بعض خياراته اللبنانيّة تحكمها لبنانيته من دون تأثر بالمواقف العربيّة والدوليّة.
لكن كيف يصل إلى الحكومة (وزير البيئة والتنمية الإدارية في حكومة نجيب ميقاتي، ثم وزير الثقافة ووزير الخارجيّة بالوكالة في حكومة فؤاد السنيورة الأولى، فوزير الإعلام حالياً) مَن لم يدخل السياسة من باب العائلات السياسيّة والأحزاب الطائفيّة؟ يكرر الرواية عن الخصوصيّة الأرثوذكسيّة والمصادفات والصداقات التي أدت دورها (مع ميقاتي والسنيورة). يذكّر بانتمائه إلى جيل كانت تُفتح كل الأبواب بوجهه لمجرد وصوله إلى الجامعة، وبعمله الكنسي (يقول إنه يعرف كل رجال الدين الأرثوذكس، من أقصى الأناضول إلى شمال فلسطين)، ونشاطه الثقافي والشبابي (عضو الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين، والاتحاد العالمي لحركات الطلاب المسيحيين، ورابطة حركات الشباب الأرثوذكسي في العالم).
ومع ابتسامة لطيفة، يقول إنّه كان غارقاً حتى أذنيه في وزارة الثقافة حين تبلّغ أنّه صار وزيراً للإعلام، أي بمعنى آخر «ناطق شبه رسمي باسم حكومة، الله وحده يعلم ماذا يقصدون بوصفها حكومة وحدة وطنيّة، والأصح وصفها بائتلاف واسع غير متجانس». ويعتز الأستاذ الجامعي الذي تناوب على التدريس منذ 1979 في «اليسوعية» و«البلمند»، وجامعات جنيف وأمستردام الحرّة وهارفرد، بصداقته الوثيقة مع السنيورة، وأساسها «وجود قناعة مشتركة بضرورة مصالحة انتمائنا اللبناني وانتمائنا العربي، والتلذذ بالثقافة العربيّة والموسيقى والشعر، وخصوصاً محمود درويش».
سرعان ما تتغيّر ملامحه حين يأتي على ذكر الشعر، وخصوصاً درويش، مسترجعاً كيف لفته درويش في إحدى أمسيات «قصر الأونيسكو» حين ردّ على أحد مطالبيه بقصيدة «سجّل أنا عربي»: «أنتَ سجِّل أنك عربي. تلك كتبتها لأقول للإسرائيلي إنني عربي، لكن لماذا وأنا وسط العرب أقول لهم إنني عربي». وإذ يسترسل في الكلام على علاقته بشعر درويش، يقول إنّ هويات الأخير المتصالحة تعبّر عنه، كاشفاً عن نقاشهما طويلاً بشأن الرموز المسيحيّة التي يكثر درويش استعمالها في شعره. ويقف الوزير طويلاً عند نثر درويش، وخصوصاً «في حضرة الغياب» الذي يؤجج الحنين: «أرقّ وأجمل ما قرأت».
ويمثّل درويش أيضاً، مدخلاً للكلام على العلاقة الخاصة مع بيروت، المدينة التي لا تحشر أهلها بهوية محدّدة، وتسمح باجتياز الحدود الفاصلة بين العوالم الصغيرة. خلال سفره الطويل، ازداد تعلّقاً بالصورة التي حفظها عن بيروت: إنّ تعلق الآخرين بمدينتنا يزيدنا تعلقاً بها. من هنا، اهتم خلال توليه المسؤولية في وزارة الثقافة بالأبنية التراثيّة التي «إن فقدناها، نفقد شيئاً من أنفسنا».
أما عن اتهامه بأنّه لم يقدّم نموذجاً إيجابياً لكونه وزيراً مثقفاً في وزارة الثقافة، فيقول: «في هذه الوزارة، ما من قانون ينظّم العمل، وما من فريق عمل. أما إمكاناتها، فلا تتعدى 0,17 في المئة من الميزانية العامّة. ولم يتجاوب المجلس النيابي بالسرعة المطلوبة. لتشريع القوانين التي أعددتها. رغم هذا، حاولت حلّ هذه المشكلات الثلاث، فألّفت لجاناً، وحاولت توفير مساعدات ماديّة. وفي النتيجة أسهمنا مباشرة في إنشاء شبكة مكتبات عامّة، ولم يغب لبنان عن أي معرض كتاب في العالم. وأنجزنا مخطط إنشاء مكتبة عامة، ونظّمنا الأسبوع الوطني للمطالعة (250 نشاطاً خلال أسبوع)، وأنشأنا داراً للثقافة والفنون. إضافة إلى الدفاع عن حرية المثقفين ومحاولة الالتفاف على المفاهيم القديمة للرقابة. والأهم، اعتماد بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009. لكن طبعاً هذه كلها في زاوية، فيما السجال السياسي العقيم والاتهامات السخيفة تتصدّر المانشيتات».
سؤال آخر: لماذا لم يتعرف الناس خلال أربع سنوات إلى الوجه «التقدّمي» لطارق متري، أحد مؤسسي اللقاء اللبناني للحوار، والحوار الإسلامي ـــــ المسيحي على المستوى العربي والعالمي؟ «لستُ أنا المسؤول، كثيرون يريدون اختزالي ببعد واحد. ويصرّون على افتعال خصومات، متعاملين مع السياسة كأنها فنّ المناكفة، إضافة إلى أنّ كثيرين يكتبون ويحلّلون من دون فضول فكري كافٍ للتعرف إلى الذين يكتبون عنهم. في الحقيقة، قيل عني كلام كثير كاذب، ولا أستطيع كل مرة أن أتحدّث عن نفسي، وأستعيد كتاباتي وممارساتي. هل أذكّر كلّ صباح بمساهماتي في نقد المجتمع الأميركي؟ أو بدوري في تعبئة الكنائس ضد الحرب الأميركية على العراق»؟
يخرج الزائر من عند معالي الوزير وقد بقي على نهمه. لم نتكلّم عن عمله الطويل النفس في مجال «حوار الأديان»... لم نتناول بإسهاب مشروعه لتغيير آليات الرقابة في لبنان. لا يتسع المجال لتناول الجوانب الكثيرة، الشخصيّة والعامة، لهذا المثقف الهادئ الذي غطّت انقسامات المشهد السياسي الضيّق على وجهه التقدّمي الراسخ في أذهان مجايليه...



5 تواريخ

1950
الولادة في مدينة طرابلس (لبنان) حيث عاش 17 سنة.
1984
عين مديراً لقسم الحوار
بين والمسيحيين والمسلمين في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وبقي في هذا الموقع سبع سنوات.
1991
تولى مسؤولية العلاقات المسيحية ــــ الإسلامية في مجلس الكنائس العالمي في جنيف، واستمر في هذا المنصب حتى 2007.
2004
أصدر كتاب «مدينة على جبل؟ ـــــ عن الدين والسياسة في أميركا» (دار النهار).
2005
عاد إلى بيروت التي غادرها عام 1991 ليبدأ «حياته الوزارية» المستمرة إلى اليوم.