Strong>رغم توقيعه على اتفاقية حقوق الطفل منذ عام 1990، لا يزال لبنان يتعاطى مع ظاهرة «الإيواء» بطريقة تتنافى وروحية الاتفاقية بما يشكل استهتاراً بحقوق الطفل. تعالج الدراسة الوضع الراهن للرعاية المؤسساتية وتطرح البدائل المتاحة

الغالبية الساحقة من الأطفال الموجودين في المؤسسات التي تنتهج سياسة «الإيواء» هم فقراء، لا أيتام. تستطيع الدولة اللبنانية توفير 7.26 مليارات ليرة لبنانية سنوياً إذا ما قررت رعايتهم ضمن أسرهم، لا ضمن المؤسسات الرعائية، التي تتعاقد معها وزارة الشؤون الاجتماعية سنوياً، بكلفة تصل إلى 66 مليار ليرة (75 % من ميزانية الوزارة).
هذه هي خلاصة الدراسة المعمّقة التي قامت بها «مؤسسة البحوث والدراسات» في عام 2006، لمصلحة «منظمة اليونيسف» ووزارة الشؤون الاجتماعية تحت عنوان «الأطفال المحرومون من الرعاية الأسرية في لبنان بين الرعاية المؤسساتية والرعاية البديلة: الوضع الراهن والبدائل المتاحة» وعرضت بعض نتائجها في 29 آب في بيت المحامي.
وتفيد الدراسة أن كلفة رعاية الطفل الفقير ضمن أسرته تبلغ 118 ألف ليرة لبنانية، فيما مساهمة وزارة الشؤون الاجتماعية في كلفة الولد داخل المؤسسة الرعائية تبلغ 133 ألف ليرة. وترى الدراسة أنه من الناحية النظرية، في حال اعتماد الوزارة خيار تحويل المبالغ مباشرة إلى الأهل، فإن الوزارة، وبالموازنة المقررة نفسها، ستغطي نفقة رعاية حوالى 3000 ولد إضافي في منازلهم زيادةً على 23463 تقوم بتغطيتهم حالياً ضمن مؤسسات الرعاية.
لكن «الكلفة» ليست الحافز الوحيد للتفكير ببدائل رعائية للأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية. فالموضوع حاضر بقوة من خلال اتفاقيات حقوق الطفل التي وقّع عليها لبنان منذ عام 1990، التي تنص مادتها التاسعة على «عدم فصل الطفل عن والديه على كره منهما، إلا إذا قررت السلطات المختصة (...) أن هذا الفصل ضروري لصون مصلحة الطفل الفضلى».
منذ أن وقع لبنان الاتفاقية وتعهد بتقديم تقارير عن التقدم في تطبيق بنودها، بقي موضوع تنامي دور مؤسسات الإيواء في لبنان عامل قلق للجنة الأمم المتحدة لمتابعة اتفاقية حقوق الطفل للبنان. (الأعوام 1996-2002-2006).
ومن أهم هواجس هذه اللجنة في عام 2006، شعورها «بقلق عميق إزاء ارتفاع عدد الأطفال الذين تم إيداعهم في المؤسسات في لبنان. وغياب الآلية التي تسمح بمراجعة قرار إيداع هؤلاء الأطفال من قبل محاكم مدنية مختصة».
واشترطت اللجنة أن تكون الحاجة إلى إدخال الطفل إلى الرعاية المؤسساتية مقررة على الدوام من قبل لجنة كفوءة ومتنوعة الاختصاصات.
ومن الملاحظ أن الدراسة اعتمدت مختلف المنهجيات العملية التي تسمح بالوصول إلى معطيات كمية ونوعية. ومن بين هذه المنهجيات عيّنة الإحصائية لدراسة 171 مؤسسة رعائية بالاعتماد على معلومات وزارة الشؤون الاجتماعية، بينها 15 مؤسسة تعنى بذوي الحاجات الخاصة. ومن اللافت أن 19 مؤسسة رعائية رفضت التجاوب مع الدراسة.
وتلاحظ الدراسة أن 60% من ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية، على أقل تقدير، تذهب سنوياً إلى الرعاية المؤسساتية، وأنه على الرغم من خفض ميزانية وزارة الشؤون بقيمة 21 ملياراً في سنة واحدة: من 109 مليارات ل.ل. عام 2004 إلى 88 مليار ل.ل. عام 2005. فإن المبلغ المخصص للرعاية المؤسساتية بقي على حاله 66 مليار ل.ل، ما رفع حصته من 60% عام 2004 إلى 75% عام 2005 من إجمالي موازنة الوزارة.
واستناداً إلى آراء شخصيات على علاقة بالرعاية الاجتماعية للأطفال، أشارت الدراسة إلى أن الأطفال داخل المؤسسات تبرز لديهم مشاكل سلوكية، ويشعرون بالوحدة والنقص العاطفي، ويفتقدون إلى الثقة بالنفس والطموح، ويعانون من مشاكل في التعلم والاستيعاب.
واستناداً إلى نتائج النقاشات المركزة مع الأطفال، أبرزت الدراسة أن بعض المؤسسات كانت تمنع الأطفال من رؤية الأهل عقاباً لهم، كذلك فإن 72% من المؤسسات تمارس عقوبة الضرب.
أما عن علاقة المؤسسة بالأهل، فتفيد الدراسة أن 34% من المؤسسات لديها لجنة أهل، كما ترتفع نسبة المؤسسات التي تشرك الأهل في أنشطة معها (56%). لكنها أبرزت أن نسبة مشاركة الأهل في تحديد برامج الأطفال وعلاقة المؤسسات بهم ضئيلة، وأن اقتراحاتهم نادراً ما تؤخذ بعين الاعتبار. وقد يفسر هذا بأن المؤسسات تنتهج ديموقراطية شكلية إلى حدٍ ما دون قناعة كافية بأهمية المشاركة.
ولا يبدو أن علاقة المؤسسة بالأطفال أفضل حالاً. فمشاركة الأطفال شبه معدومة. وتتبع المؤسسات بأغلبيتها (99.2%) أنظمة صارمة مع الأطفال، إذ تحدد ساعات الأكل والدرس ومشاهدة التلفزيون وموعد النوم.
ومن أبرز نتائج الدارسة، أن جميع الفئات المستطلَعة لشخصيات ذات علاقة بالرعاية الاجتماعية والأطفال المقيمين والخريجين والأهالي أجمعوا أن السببين الرئيسيين لوجود الأطفال داخل المؤسسات هما: التعليم والفقر.
وتسأل الدراسة، هل يشكل هذان العاملان سبباً كافياً ومقنعاً لإبعاد الأطفال عن أهلهم؟ وهل النظام الحالي فعّال في معالجة هذين السببين؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة عمدت الدراسة إلى بحث آلية عمل ومدى فاعلية ونجاح كل من هذين العاملين وتحليلهما.
في موضوع التعليم، بيّنت الدراسة، أن وزارة الشؤون الاجتماعية تساهم بمبلغ قدره 133 ألف ليرة لبنانية عن الولد الواحد شهرياً. وأن حوالى 18% من هذا المبلغ يدفع للتعليم، ما يمثل 287 ألف ليرة لبنانية للطفل الواحد سنوياً. كما يجدر الذكر أن كلفة تسجيل الطفل السنوية في المدرسة الرسمية (المرحلة ما قبل الابتدائية والمرحلة الابتدائية) هي 75 ألف ليرة لبنانية، علماً بأن وزارة التربية عفت الأهل من هذه الكلفة في السنوات الخمس الماضية.
وتخلص الدراسة إلى طرح التساؤل الآتي: أليس من الأجدى لو أن الوزارة حوّلت المال بصورة مباشرة إلى الأسر التي ترسل أولادها إلى مؤسسات الرعاية، لأغراض محض تعليمية؟
وفي موضوع تحليل الفقر، بيّنت الدراسة أنه إذا تم تحويل المتوسط المثقل المقدر بـ280 ألف ليرة لبنانية من وزارة الشؤون الاجتماعية إلى الأسر المعنية مباشرة، فإن هذه التحويلات سترتفع إلى نحو 93% من الحد الأدنى للأجر في لبنان. وإنها ستسمح للعائلات بتخطّي الخط الأدنى للفقر. إضافة إلى أن نفقات المعيشة تكون على عاتق الأهل في فصل الصيف والعطل، علماً بأن المؤسسات تبقى متستفيدة من تحويلات الوزارة طيلة العام.
وخلصت الدراسة في موضوع التحليل المالي إلى اعتبار أن رعاية الطفل داخل أسرته أقل كلفة، وأن نسبة مساهمة وزارة الشؤون الاجتماعية للطفل في المنزل أكثر من كافية لتغطية نفقات التعليم. وأن تحويل الأموال، من مؤسسات الرعاية إلى الأسر، يعزز كثيراً دخل الأهل ويتيح ـــــ في الميزانية نفسها ـــــ استهداف عدد أكبر من الأطفال.



الرعاية البديلة هي الحلأما في حال الرعاية البديلة، فهناك الرعاية المؤسساتية الخارجية والرعاية المؤسساتية الداخلية. وتقدم الأولى إلى الأطفال المتعذر رعايتهم أسرياً حيث تتعاقد الوزارة مع عدد من المؤسسات التي تقدم الخدمات الشاملة للطفل. وينبغي وضع شروط محددة ومفصلة للتعاقد بشأن هذه الرعاية. أما الرعاية المؤسساتية الداخلية، فتشمل الحالات الاجتماعية الصعبة التي يستحيل مواجهتها وعلاج تبعاتها داخل الأسرة.