فداء عيتاني

مهما تطوّر المرء، فلا يخال الصحافي نفسه أكثر من ساعٍ للمعلومات والرأي. فلا نحن، معشر الصحافيون، سليلو بكوات ولن يكون أبناؤنا من الباشاوات، ولا نحن سنصبح أباطرة سياسة أو حيتان مال، وهو ما كان قد عبّر عنه حسن نصر الله في سياق مختلف.
وعلى نقيض ما سبق، فإن صحافة لبنان وصحافييه كثيراً ما ارتبطوا وخضعوا وتلوّثوا وارتشوا من دول وأفرقاء، ولم يجد الرئيس شارل حلو للترحيب برؤساء تحرير الصحف خلال عهده إلا القول «أهلاً بكم إلى بلدكم الثاني لبنان». نقيضان في الممارسة المهنية والحياة الشخصية والسياسية. نقيضان يجعلان كل من يمر على طريق المهنة يفكر تكراراً، أيّ المسالك هي الفضلى؟ وتذهب الخيارات وفق مزاج وخيار شخصي. وبطبيعة الحال، فإنّ الخيار الأسلم هو المعتاد من التبعية والارتباط بالأجهزة الأمنية والسفارات والدول والأمراء، وأصحاب الشأن وحيتان المال والسياسة.
وبما أنّ الشيء بالشيء يُذكر، فقد سبق للنائب وليد جنبلاط أن أعلن نفسه أحد الحيتان في بلد مليء بالحيتان، وكان ذلك في منتصف التسعينيات. حينها كان رفيق الحريري طبعاً أحد أكبرهم، ولا بأس من الإشارة إلى نبيه بري وإلياس الهراوي وآل المر وآل لحود وآل حمادة وغيرهم كثر. هي حيتان عادة ما تستزلم الصحف وصحافييها، وكثيراً ما ردّد الرئيس سليم الحص أنّ الفساد في الإعلام يجري مضاعفاً، حيث لا تجري رشوة الصحف فقط، بل يُرشى أيضاً صحافيّوها.
وما دامت الشبهة أولى بالحكم من المثبت في نظر العامة، وما دام الفساد منتشراً بين صحافيين لن يتمكّنوا من الشرح أمام جمهور قرّائهم أولويات حياتهم وأسبابها، من السيارات الفاخرة التي يقتنونها إلى منازلهم التي يعيشون فيها، عداك عن مطاعم يحلم المواطن ــ الذي لا يصل راتبه إلى أكثر من 500 ألف (بعد رفع الحدّ الأدنى للأجور) ــ بالدخول إليها مرة واحدة في العمر.
وما دام الغالب الأعم في النظرة، هو فساد الصحافة والصحافيين، فإنّ الباب الأولى هو الانسياق وراء الأغلب الأعم على المطاحنة في الصراع من أجل الحفاظ على أخلاقيات واستقلالية ودفاع عن مصالح العامة من الناس التي لا تسمن ولا تغني عن جوع.
إذاً، من باب أولى الامتهان، وفي الامتهان، فإنّ البروتوكولات تقضي بخدمة القوى السياسية لا الاتجاهات، الأشخاص والشخصيات لا خدمة الدور الذي تمثّله الصحافة، وتصبح السلطة الرابعة ــ أي الصحافة ــ بصفتها مراقبة ومحاسبة واعلام للرأي العام، مجرد خادمة ومرتزقة. كما تفقد الصحافة سلطتها تجاه الفرق والمذاهب والاتجاهات السياسية، لتصبح خادمة لهذه الجهة أو تلك، وإن كانت النظرة المطلقة في هذا المجال أيضاً لا تصحّ، حيث إن صحافتنا لا تزال تحتفظ بهامش من الحرية يضيق يوماً إثر آخر.
ومن الخدمة المباشرة لأطراف سياسية، تتدهور حال الإعلام، حتى ليتحدث السياسيّون عن تراجع الاعلام، وإن كانوا هم أنفسهم من يدفع به إلى حدود التفاهة، أولاً بتهافت مشاريعهم السياسية، وثانياً بإفسادهم لكل ما حولهم، وثالثاً بتحويل الاعلام الى مجرد مرآة عاكسة لمواقفهم وتصريحاتهم التي لا يرون تفاهتها إلا حين تنشر.
الأصل هو الفساد. والشاذ ــ الاستثناء هو الصلاح، وما بينهما تحار حين تجالس رجلاً يشتم حلفائه. فهل يتيقّن الرجل من أنّك متورط حتى أذنيك بفساد يعم كل الإعلام والطبقة السياسية ولذلك هو يتحدث على سجيته؟ أم هو يراهن على أخلاقية عالية لديك ستمنعك من نقل ما يتحدث به وعنه، علماً أنّ وظيفتك الحيوية كصحافي هي النقل الأمين للقارئ.
تحار وأنت ترى السياسيين والاعلاميين يتهمونك بما ليس فيك من تبعية، فلا يمكن أن تفهم كيف يربطون صحيفة «الأخبار» بحزب الله، وهي على ما هي عليه من صفحات داخلية لا توافق مزاج جمهور حزب الله فكيف بتنظيمه؟
ولكن لا يمكن المرء أن يرى بما ليس فيه، ولا يمكن أن يفهم السياسي أن ما يخبرنا به لن يذهب عبر تقارير مغلقة الى حسن نصر الله، بل سينشر على صفحات الجريدة، بصفة النشر، مهنتنا الوحيدة، وأن على حسن نصر الله أن يقرأ الصحيفة حتى تصله الرسالة وإلا فإن من أرسل الرسالة يكون قد اختار وسيلة خاطئة، فليس الصحافيون صناديق بريد، على الأقل بقناعتنا، فهم ليسوا أكثر من ناقلي الخبر والمعلومة، وهم على ما هم عليه من مواقف وآراء، لن تمنعهم من نقل ما يكرهون كما ما يحبون.
لم تخجل «الأخبار» من الاعتراف بتجاوز الأعراف المهنيّة، ولكنها تخجل من أن تتحول إلى شاهد صامت لما يجري في كواليس الحياة السياسية، ولما يرسَل من رسائل بين قادة الطوائف اللبنانية سيحدّد عبرها هؤلاء القادة مصير أبناء الوطن ومساراتهم، وهي لا تتردّد في أن تكون، بصحافيّيها، ابنة لبنان بصفته وطناً وحيداً لا تملك منه بدائل، ولا تريد أصلاً أن يكون لها أو لصحافييها أوطان متناثرة المصالح.
«الأخبار» بالتالي، مقودة بمصلحة أبعد من الأعراف واللياقات، فهي مقودة منذ لحظة إطلاقها، بمصالح من تمثّلهم، ومن يدفعون ألف ليرة يومياً للاطلاع على ما فيها، لا بمصالح من يدفعون الملايين من العملات الأجنبية «لتلطيف المضمون وتدوير الزوايا».
أين يقف الصحافي في هذه البلاد؟ المهنة أم الامتهان؟ علماً أن الأمل بأن يغيّر السياسيون من أسلوب التعامل معنا معدوم. يبقى أن نحدد لنا مكاناً نطمح أن نشغله في حيز المهنة وبعيداً عن الامتهان.