يقدّم موضوع الإصلاح الانتخابي في لبنان إلى الباحثين المهتمين في عملية صناعة السياسات العامة، مادّة غنية ومهمّة في إشكالية التعاون بين الفاعلين الرسميين والفاعلين المدنيين، بعدما أصبح مبدأ المشاركة أو التشارك شرطاً أساسياً لتحقيق أي إصلاح في أي قطاع كان، بما فيه القطاع الأمني. أين أخفقت وأين أصابت الحملة التي قادتها «الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات»؟


كرم كرم *
انطلاقاً من المفاهيم والمصطلحات الأكثر تداولاً، ومن التجارب والخبرات المعاصرة، وتحديداً تجارب المنظمات الدولية، يُستنتَج أن موضوع الإصلاح لم يعد شأن النخبة السياسية الحاكمة أو نتاج عملها وحدها فقط، بل هو إخراج لعملية مجتمعية شاملة تشارك في وضعها، إلى جانب السلطات الرسمية، الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام... جزء كبير من «وصفة» مسار عملية الإصلاح التي تروج لها المنظمات الدولية والهيئات المانحة، وتفرضها شرطاً أساسياً في كل عملية تعاون وتمويل تقوم بها، اعتُمد في عملية الإصلاح الانتخابي، بشقها الرسمي، التي انطلقت مع تأسيس «الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية» (الهيئة الوطنية)، بقرار من مجلس الوزراء (في 8/8/2005): لناحية التعاون مع الخبراء المحليين والدوليين، ومنظمات المجتمع المدني (ضمت الهيئة ثلاثة خبراء هم أعضاء من مؤسسي «الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات» عام 1996، وكانوا أعضاءً في هيئتها الإدارية لعدة ولايات، وشغل اثنان منهم منصب الأمين العام للجمعية، وعين أحدهم عضواً في «الهيئة الوطنية»، وهو كان لا يزال يشغل منصب الأمين العام الذي استقال منه في آب عام 2005)، إلى جانب الأحزاب والنقابات والمنظمات الدولية، وتحديداً مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان، الذي أخذ على عاتقه التنسيق بين مختلف المنظمات الدولية المشاركة في عملية الإصلاح الانتخابي في لبنان. وعليه، تكون بالتالي «الهيئة الوطنية» قد استوفت، من شكلاً، كل الشروط المطلوبة في عملية الإصلاح، وتكون قد زاوجت أيضاً بين مختلف مستويات الإصلاح، من الداخل، لبنانياً، ومن الخارج، دولياً، ومن القمة، أي السلطات السياسية، ومن القاعدة، أي المجتمع المدني.
لكن، على الرغم من كل ذلك، تشهد عملية الإصلاح الانتخابي تراجعاً، وتحديداً من جانب المطالب التي كانت قد رفعتها الجمعيات المدنية. ويظهر أن المجتمع المدني هو الخاسر الأكبر، وهو من دفع ثمن عملية التعاون هذه بينه وبين المنظمات الدولية والقطاع العام على حساب مطالبه الإصلاحية.
من هنا، يحاول هذا المقال دراسة علاقة التعاون في صناعة السياسات العامة هذه، وفهم شروطها ورهاناتها وتحليل تأثيرها على مسار الإصلاح الانتخابي ونتائجه، عبر المراجعة النقدية لتجربة «الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات» (الجمعية اللبنانية)، بكونها تمثّل دراسة حالة أساسية وغنية في هذا المجال (إضافةً إلى المصلحة العلمية التي تكمن وراء إعداد هذا المقال، فهو يمثّل في الوقت عينه نوعاً من النقد الذاتي لتجربة ميدانية وإدارية داخل «الجمعية اللبنانية» في سبيل أخذ الدروس منها وتطويرها).
منذ تأسيس «الجمعية اللبنانية»، عام 1996، أجمعت كل الدراسات والأبحاث والمقالات التي نشرتها الجمعية تحت اسمها مباشرةً أو بأسماء البعض من أعضائها ومن القانونيين والخبراء الاختصاصيين في الشأن الانتخابي ـــــ التي يمكن أن نطلق عليها عنوان «المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي»، مقارنةً مع مشاريع السلطات السياسية والقوى الحزبية، أجمعت على سلسلة من المبادئ السياسية والقواعد القانونية والمعايير التقنية، التي تذهب في اتجاه تعزيز الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، ومن أهمها:
أولاً، التأكيد أن النظام النسبي، أو شكل من أشكال النظام النسبي، مع الدوائر الكبرى، يوفّر صحة التمثيل ويسمح بالخروج من نظام الطائفية السياسية والمحاصصة المذهبية في لبنان. يراجع في هذا الموضوع كتاب: نزار ورنا صاغية، اقتراحات من أجل إصلاح النظام الانتخابي في لبنان، بيروت، الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات، سجالات النهار، دار النهار للنشر، 2004.
هذا الكتاب يجمع ويحلل الدراسات والتوصيات التي تقدم بها العديد من الخبراء الذين عملوا مع «الجمعية اللبنانية»؛ وكتاب، تطبيق نظام التمثيل النسبي في لبنان. نقاش في المشروعات، (عمل جماعي)، بيروت، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، 1999؛ وكتاب، التمثيل النسبي، (عمل جماعي)، بيروت، الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات، 2006؛ وتقارير الجمعية اللبنانية حول انتخابات 1996 و2000 النيابية.
ثانياً، أن تكون قاعدة التمثيل في النظام الانتخابي قاعدة وطنية وسياسية لا قاعدة مذهبية أو فئوية.
ثالثاً، توفير المساواة والموازنة السياسية بين المواطنين الناخبين، بحيث يقترعون لعدد نواب متساوٍ في مختلف الدوائر، عبر إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية. رابعاً، إخضاع التوازن في توزيع المقاعد النيابية، الذي يقع في حدود المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، «للهدفية الآيلة إلى إلغاء الطائفية السياسية» (يراجع، نزار ورنا صاغية، 2004، ص. 17ـــــ19، مرجع مذكور سابقاً).
كذلك عملت «الجمعية اللبنانية» على دراسة وتطوير سلسلة من المطالب الإصلاحية الواجب توافرها في أي قانون انتخابي، كخفض سن الاقتراع، وضبط الإنفاق الانتخابي، ومراقبة الإعلام والإعلان الانتخابيين، والمجلس الوطني أو الهيئة المستقلة للإشراف على الانتخابات، إضافة إلى إصلاحات متعلقة بمجريات العملية الانتخابية وتقنياتها بحد ذاتها، كالبطاقة الانتخابية، ومكان الاقتراع، واستخدام العازل الانتخابي والقسائم الانتخابية.
ويظهر بوضوح من أدبيات «الجمعية اللبنانية»، أن المقاربة التي اعتمدت في صياغة «المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي»، هي مقاربة متكاملة من حيث الإعداد والإقرار والتنفيذ، ترفض تجزئة الإصلاح أو تطبيقه على مراحل، لأن ذلك سيؤدي حكماً إلى إفراغ الإصلاح من مضامينه ومفاعيله والتأسيس لممارسات ولتشويهات جديدة تزيد النظام تعقيداً ومناعةً أمام أي إصلاح مستقبلي، كما حصل مع معظم الإصلاحات الأساسية التي طُبِّقت من اتفاق الطائف، والتي أعطت على الأخص «ترويكا رئاسية» تعمل خارج القوانين والصلاحيات والمؤسسات، ومجلس دستوري معلق، ومجلس اقتصادي واجتماعي معطل.

قراءة نقديّة لتجربة «الجمعيّة اللبنانيّة»مع عودة «الاهتمام الدولي» التدريجي بلبنان الذي انطلق بوتيرة سريعة ومكثفة منذ عام 2004 ومطلع عام 2005، حظيت «الجمعية اللبنانية» باهتمام متميز ترجم في المجالات والمواضيع الآتية:
أولاً، أقبل العديد من المنظمات الحكومية وغير الحكومية ومن ممثلي البعثات الدبلوماسية، وتحديداً الأوروبية والأميركية، وبكثافة على «الجمعية اللبنانية»، لعرض التعاون والشراكة معها في موضوعي مراقبة الانتخابات والإصلاح الانتخابي، وهي التي نشطت خلال عقد من الزمن (1996 ــ 2004) من دون أي مساعدة أو تعاون خارجي يذكرثانياً، وفّر هذا الاهتمام «للجمعية اللبنانية» عدداً من المشاريع الممولة من المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية، والمنفذة بالتعاون مؤسسات حكومية لبنانية. كان التعاون الوحيد الذي عرفته «الجمعية اللبنانية» مع السلطات الرسمية اللبنانية خلال هذه المرحلة، مع المجلس الدستوري حين طلب من أعضائها تقديم ما لديهم من وثائق ومستندات أثناء التحقيق بالطعون الانتخابية عام 1996، ومثّل ذلك اعترافاً مهماً بشرعية الجمعية وبعملها، على الرغم من أن وزارة الداخلية رفضت الاعتراف بها وحظرت التعامل معها ووصفتها «بالجمعية السرية».
لكن في الوقت الذي اعتقدت فيه «الجمعية اللبنانية» بأن الظروف والمعطيات أصبحت ملائمة عام 2005 للشروع فعلياً في عملية إصلاح النظام الانتخابي، كانت البعثات الدبلوماسية ومعها المنظمات الدولية تعطي الأولوية لإجراء الانتخابات بمعزل عن شكل القانون، وتضغط بالتعاون مع حكوماتها على الحكومة اللبنانية لإجراء الانتخابات النيابية دون أي تأجيل. وهذا ما حصل، وتمت انتخابات عام 2005 وفقاً لقانون عام 2000، الذي انتقدته بشدة «الجمعية اللبنانية» منذ إقراره. فابتداءً من الانتخابات النيابية عام 2005، انطلق المسار التراجعي «للمشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي»، ولا يزال إفراغه التدريجي من مضمونه مستمراً حتى اليوم عبر استمالته واستيعابه واستتباعه.
ثلاثة عناصر مهمة أسهمت في استمالة «الجمعية اللبنانية»، ومن ورائها «التحالف اللبناني لمراقبة الانتخابات»، ولاحقاً «الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي»، وفي قبولها، ولو عن غير قناعة، في أن لا يعتمد قانون جديد في انتخابات عام 2005 وفي أن لا تصعّد احتجاجها على ذلك.
أولاً، من خلال المشاريع ذات التمويل المهم، التي قدمتها المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية «للجمعية اللبنانية».
ثانياً، من خلال الضغط من هذه المنظمات والبعثات على الحكومة اللبنانية لتقبل بأن تعطي «الجمعية اللبنانية» رسمياً حق مراقبة الانتخابات، وهذا ما حصل. ثالثاً، عبر تأكيد هذه المنظمات والبعثات أنها ستضغط على الحكومة اللبنانية لتشرع فوراً بعيد الانتخابات في عملية الإصلاح الانتخابي، وأنها ستقدم كل أنواع الدعم اللازم لذلك، وأن مبادئ «المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي» ستكون ركيزة الانطلاق في عملية الإصلاح، وأن خبراء «الجمعية اللبنانية» سيكون لهم دور أساسي في كل ذلك. فكان من أبرز نتائج عملية الاستمالة هذه، خلال انتخابات عام 2005 التي جرت في ظرف وشروط أقل ما يقال فيها أنها كانت غير شفافة وغير عادلة وغير ديموقراطية، وقامت على عصب الخطب المذهبية التحريضية والمال السياسي الانتخابي، الأمور التالية:
من ناحية أولى، عدم قدرة «الجمعية اللبنانية» على استيعاب كل هذه التحولات التي حصلت على المستوى المؤسساتي والإداري. فعوضاً عن مراقبة الحملات والأعمال الانتخابية في المناطق وإعداد التقارير الموثقة عنها، هدرت طاقات أعضائها على تنظيم الأمور اللوجستية المتعلقة بعملية المراقبة. وأصبحت بالتالي التحضيرات التقنية «للمراقبة الرسمية» للانتخابات عام 2005 هي الهدف والهم الأساسي «للجمعية اللبنانية» عوضاً عن مراقبة الانتخابات بحد ذاته.
من ناحية ثانية، لم يتردد مسؤولو «الجمعية اللبنانية» في قبول أكثرية المشاريع التي عرضت عليهم من دون أن يقوموا بعملية تقويم مسبقة ومعمقة للنتائج الجانبية التي يمكن أن تمس موقع الجمعية ودورها من جراء ذلك، فكان من بين أبرز الآثار السلبية للتمويل الخارجي، تعطيله لمفهوم العمل التطوعي المجاني، الذي مثّل القيمة المضافة والعلامة الفارقة لكل ما قام به أعضاء «الجمعية اللبنانية» (من نشاط ميداني وبحثي)، واعتماده مفهوم «العمل التطوعي المدفوع»، الذي أدخل الزبائنية والمحسوبية إلى الجمعية، وخلق نوعاً من العصبية القائمة على النفعية، مع الاهتمام بالشكل الخارجي للعمل على حساب مضمون المشروع الأساسي. وهكذا، انتهت انتخابات عام 2005 من دون أن يستطيع أعضاء «الجمعية اللبنانية» أن يتابعوها ويراقبوها وأن يصلوا إلى نتائج على مستوى الإمكانات التي توافرت لهم، ومن دون أن ينشروا ويناقشوا علانيةً تقريرهم النهائي عنها.
وعليه، لم تنفع الاستمالة الخارجية وكل الدعم المادي الذي قدمته في تطوير عمل «الجمعية اللبنانية» مقارنةً مع مضمون ما أنتجته في المراحل الانتخابية السابقة لانتخابات عام 2005.
انتهت انتخابات عام 2005، وانطلقت ورشة الإصلاح الانتخابي في لبنان، التي أخذتها على عاتقها حكومات أجنبية ومنظمات دولية عدة. فكان للمجتمع المدني ما وعد به، وأُلِّفَت «الهيئة الوطنية»، وانتهت من عملها وقدمت إلى مجلس الوزراء مشروع قانون للإصلاح الانتخابي.
لكن على الرغم من أهمية بعض جوانبه الإصلاحية، يبقى مشروع قانون الهيئة «مشروع تسوية توافقياً» يحمل في طياته الشيء ونقيضه، أي الإصلاح والتقليد، على غرار الصيغة اللبنانية والبيانات الوزارية وخطب القسم ومعظم المشاريع المهمة. فهو قانون مركب بين الأكثري والنسبي وبين القضاء والمحافظة، مع تفاوت كبير في عدد المقاعد بين الدوائر (يراجع، تقرير ومشروع قانون «الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية»، بيروت، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي»، 2007). وهذا ما فتح الباب أمام استيعاب «المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي» على عدة مستويات.
أولاً، صحيح أن الخبراء أعضاء «الجمعية اللبنانية» لم يُختاروا في «الهيئة الوطنية» فقط لكونهم «ممثلين للمجتمع المدني»، بل بسبب مواقعهم المتعددة، المهنية والسياسية والاجتماعية والطائفية، خصوصاً.
لكن، على الرغم من ذلك، كان الأحرى بهم أن يتفقوا في ما بينهم على المبادئ الأساسية والخطوط العريضة لمشروع واحد يمثّل خلاصة لمشاريعهم المدنية، يطرحونه ويدافعون عنه داخل الهيئة. فعوضاً عن ذلك، أدى تنافسهم في ما بينهم داخل «الهيئة الوطنية»، وإعطاء كل واحد منهم الأولوية لموقعه السياسي على حساب موقعه خبيراً متخصصاً وعلى حساب التزامه المدني، إلى إضعاف حظوظ الدفاع عن إصلاحات جوهرية في النظام الانتخابي. فأدّوا دور السياسيين بالتكليف، وأعطوا الشرعية لمشروع قانون توافقي للإصلاح الانتخابي فتح الطريق أمام القوى السياسية لإسقاط ما لا يتوافق مع مصالحها الانتخابية ضمنه. وهذا ما حصل فعلاً في «اتفاق الدوحة»، وما تستكمل فصوله حالياً وحتى موعد الانتخابات المقبلة في صيف عام 2009.
ثانياً، مع تسليم «الهيئة الوطنية» لمشروع القانون الذي أعدته للحكومة اللبنانية في أواخر أيار عام 2006، استكمل الاستيعاب التدريجي «للمشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي»، ومجلس الوزراء لم يناقش المشروع، ولم يرفعه حتى إلى مجلس النواب.
أما المنظمات الدولية؛ فمن ناحية أولى، قام برنامج الأمم المتحدة، ومن ورائه المنظمات الدولية المعنية، بتعيين ثلاثة خبراء من بين خبراء «الهيئة الوطنية»، هم أنفسهم أعضاء «الجمعية اللبنانية»، يعملون من ضمن حملة ترويج لمشروع «الهيئة الوطنية»، من خلال عرضه وشرحه وتبيان أهميته وحشد الدعم له على مختلف المستويات.
ومن ناحية ثانية، كُلِّفَت «الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي»، من الجهات المانحة نفسها أن تكون الذراع الميدانية في عملية الترويج هذه. فكان لذلك نتائج عدة من أبرزها: أولاً، عدم قيام أي انتقاد جدي وهادف ضمن حملة مدنية مبرمجة لمشروع «الهيئة الوطنية» في سبيل رفضه أو تطويره من الأطراف القيمين على»المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي».
ثانياً، أدت عملية الترويج هذه إلى إزاحة مشروع الجمعيات المدنية كلياً عن أجندتهم المطلبية، وتبنيهم فعلياً لمشروع «الهيئة الوطنية».
ومع «اتفاق الدوحة» والتزام القوى السياسية المتحاورة النظام الأكثري ضمن القضاء دائرةً انتخابية، لم يبقَ شيء من «المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي» ولا من مشروع «الهيئة الوطنية». والتجاذبات السياسية الحاصلة حالياً تجهض تباعاً ما بقي من بنود إصلاحية في القانون الانتخابي قيد المناقشة والإقرار في «هيئة الإدارة والعدل النيابية»، وهي حتى لو أُقرَّت اليوم، لا يمكن أن تطبق في الانتخابات المقبلة لقصر الوقت الزمني الباقي، كالهيئة المستقلة لمراقبة الانتخابات، وذلك بشهادة رئيس الهيئة النيابية المعنية والوزير المختص والخبراء التقنيين المتابعين للموضوع. وعليه تطرح جملة من الأسئلة:
ماذا بقي من مشروع الإصلاح الانتخابي اليوم لكي تُدعى الجمعيات المدنية إلى مراقبة الانتخابات، بمعزل عن أي تقويم لتجربتها في مراقبة انتخابات عام 2005؟
ما الدور المطلوب من أعضاء الجمعيات المدنية في العملية الانتخابية المقبلة التي أقل ما يُقال فيها أنّها ستؤسس لتوازنات سياسية جديدة؟
هل هو دور المفكر حامل المشروع المدني للإصلاح، أم الخبير في بعض الجوانب التقنية، أم «حامل الملفات» أو المنفذ الميداني لما يقرره الآخرون؟
لا يمكن اختزال دور الجمعيات المدنية في الأمور المحض تقنية، فالمجتمع المدني حامل مشروع مدني متكامل لمختلف الميادين الإصلاحية، ومن دون هذا المشروع لا معنى لحركته. في كل الحالات، الجمعيات المدنية تعمل على تحقيق الإصلاح، لكن لا تحل مكانه، ولا يمكن أن تعطى دوراً إضافياً تعويضاً عن عدم إحقاق الإصلاح. كما لا يمكن أن يطلب منها أن توقع على مراقبة عملية انتخابية انتهى جزء كبير وأساسي من فصولها قبل أن تبدأ، وهي التي كانت قد توصلت بعد الخبرة الميدانية إلى محصلة، عبَّر عنها أحد الأمناء العامين السابقين «للجمعية اللبنانية» والمسؤول الحالي في واحدة من أهم المنظمات الدولية المعنية بالإصلاح الانتخابي في لبنان، مفادها أن «المراقبة يوم الانتخاب لم تعد هي الأهم، ذلك أن الخروق الأساسية تتعلق بطبيعة النظام الانتخابي ككل».
ماذا بقي من مشروع الإصلاح الانتخابي اليوم لكي تخصص المنظمات الدولية ملايين الدولارات من أجل مراقبة الانتخابات المقبلة، من دون أن تقوم هذه المنظمات بأي عملية نقد لتجربتها في هذا المجال منذ أن دفعت الحكومة اللبنانية على إجراء الانتخابات عام 2005 في ظل قانون عام 2000، وبعدما انتهى مشروع الإصلاح في الدوحة؟
ماذا تريد المنظمات الدولية من الانتخابات النيابية في لبنان، في الوقت الذي يدفع بعضها مبالغ طائلة لاستطلاع أي من القوى السياسية ستفوز بأكثرية المقاعد النيابية عام 2009، والبعض الآخر يزيد الميزانية التي يخصصها لبعض الجمعيات اللبنانية العاملة في مناطق محددة بهدف خلق مناخ سياسي معين؟
ماذا بقي من مشروع الإصلاح الانتخابي اليوم بعدما توصلت القوى السياسية، على تناحرها واختلافها، إلى تسوية في قانون يؤمن مصالحها الضيقة فقط خارج أية مبادئ أو معايير أو ضوابط. وهذه القوى السياسية تحاول مجتمعةً إيهام الرأي العام بأنه تكفي شخصية الوزير المعني بالعملية الانتخابية، ونزاهته وخبرته لكونه عضواً سابقاً في «الهيئة الوطنية» وأميناً عاماً سابقاً «للجمعية اللبنانية»، لضمان سلامة وشفافية العملية الانتخابية المقبلة، وتقديمه تعويضاً عن عدم إحقاق الإصلاح الانتخابي المرجو ومأسسته. فلا الوزير المعني يقبل بذلك، ولا المفهوم المبسط للسياسات العامة يخلط بين شخصنة الإصلاح من ناحية، وقوننة الإصلاح ومأسسته من ناحية أخرى.
حكماً لم تضع المنظمات الدولية ولا المؤسسات الرسمية مخططاً مبرمجاً لتقويض «المشروع المدني من أجل الإصلاح الانتخابي»، لكننا نستطيع أن نتلمس ذلك بمجرد مراجعة عملية الإصلاح التشاركية هذه بلغة المفاهيم التي تستخدم في تحليل السياسات العامة، وحينها تصبح النتائج واقعة فعلاً وملموسة وواضحة الفصول بدءاً من الاستمالة، مروراً بالاستيعاب، ووصولاً اليوم إلى الاستتباع. وعليه، فإن هذا التحليل صالح من حيث المبدأ بقدر صلاحية التحاليل التي تقول عكس ذلك.
* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية