ريمون هنود

ممّا لا شك فيه، أنّ صيغة الأم الفرنسية الحنون سنة 1943 كان لها الأثر المباشر في إنتاج الكثير من الاضطرابات الأمنية والسياسية على الساحة اللبنانية فيما بعد. ومن أبرز الاضطرابات التي وقعت قبل الانفجار الكبير عام 1975، إرساء قانون انتخابي برلماني فئوي مذهبي عام 1960 على قياس أمراء الطوائف والإقطاع، قانون يستحق فعلاً عدة تسميات، ومنها:
قانون التقوقع والذهنية المذهبية الضيّقة، قانون الانطواء والرجعية، قانون التخلف، قانون الأزقة والزواريب الفئوية. لكن ما يثير العجب حالياً، أنّنا نعود ونقترف بأيدينا الأخطاء عينها التي اقترفناها منذ ثمانية وأربعين عاماً، وكأننا لم نتّعظ من ماضٍ أليمٍ مرير جَرَّ على البلاد المآسي والويلات والخراب.
إنّه لشيء مخزٍ ومقرف أن تكون ذهنية شريحة لا بأس بها من اللبنانيين ما زالت هي هي، وخاصة عند من يدّعون أنهم من أهل الإصلاح والتغيير وهم يسيرون عكس هذا
التيار.
إن كل منتمٍ إلى طائفة العقلاء يرفض بشدةٍ قانون الـ1960 هذا، ولسان حاله يقول: «مين جرب المجرب كان عقلو مخرب». فهذا القانون سيعيد بالتأكيد إنتاج أسباب الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان عام 1975 واستمرت حتى أواخر عام 1990، وخاصة أنه كان من الركائز الأساسية لجمهورية الامتيازات عام 1943، وهو بالتالي سيحوّل لبنان مجدداً إلى مجموعة مزارع وقلاع طائفية ومذهبية، يفوح منها أريج الشرذمة والتناحر والتفتيت
والتقسيم.
ومما لا شك فيه أن هذا القانون يسدي خدمةً مباشرةً للسياسات المتربصة شراً بلبنان والمُتخذة من شعار فرّق تسد سبيلاً لإحداث ثقوب في الجدار اللبناني والتسلّل عبره. وهذا القانون لن يعود باليسر على المناعة الوطنية اللبنانية وعلى المقاومة التي تسعى في هذه المرحلة الحساسة إلى جمع شمل اللبنانيين وجعلهم يلتفون حولها. وقانون 1960، كما يقول المثل بالعربي الدارج: «بيفخت الدفّ وبيفرق قلوب العشاق»، بمعنى أنه على سبيل المثال لا الحصر لا يعود ابن كسروان معنياً بشؤون بعلبك أو زحلة أو طرابلس، والعكس صحيح، فعندها يشتد وباء المناطقية بالنفوس، وخاصةً نفوس النشء الجديد ومسؤولية تفشي هذا الوباء تقع علينا جميعاً، لأن ما يجب علينا، وخاصةً في مطلع الألفية الثالثة، أن نزرع في نفوس نشئنا طاقات تحريرية تقدمية تُطهر مناعته من الفيروسات المذهبية الموروثة مباشرةً إلى الحفيد، بعد ولادته بثوانٍ معدودة، أي إن الحفيد المسكين يرتشف هذا الأوكسيد في سن الرضاعة، فضلاً عن أن وباء المناطقية يسد كل سبل التلاقي بين مختلف الفئات اللبنانية على اختلاف أطيافهم ومشاربهم، وقانون الستين يحرم عدة تيارات وأحزاب علمانية ولوج باب البرلمان. وعملياً فإن الوطن الجريح بحاجة ماسة إلى تفعيل دور هذه الأحزاب، لأنها أحزاب عقلانية، سلاحها الحوار والنقد البناء، ونبذ شرور المذهبية والعصبيات، ويمتد وجودها على مساحة الوطن كلّه وليست محصورة في مناطق جغرافية محددة.
وما هو أخطر من ذلك، أنّ قانون الستين يشجع على إنشاء أحزاب طائفية ومذهبية وعشائرية داخل المنطقة الواحدة أو داخل القضاء الواحد، أي يضحي القضاء الواحد أو الدائرة الصغرة مرتعاً لمجموعة أحزاب من طائفة واحدة ذائعة الصيت، ما عدا التي تُستَحدث، والاحتمال كبير لأن يكون ذلك القضاء في ما بعد مسرحاً للاقتتال والتناحر ما بين أبناء المذهب الواحد بهدف السيطرة على القرار الداخلي!
إنه لمفارقة، أن يكون قانون الستين لوطنٍ نازفٍ حزين، أما البديل من هذا القانون البدعة الهرطقة، فهو حتماً قانون الانتخابات النسبي الذي يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية، خارج القيد الطائفي، وخفض سن الاقتراع إلى الثامنة عشرة «وأرجو أن لا تعتب بكركي وسيدها والسادة المطارنة»، إضافة إلى الوصول إلى مساواةٍ حقيقيةٍ بين الرجل والمرأة في التمثيل السياسيّ عبر اعتماد نظام الحصة (الكوتا) النسائية بنسبة 30 في المئة من مقاعد المجلس النيابي.