طوني صغبيني

عند العبور إلى الداخل، يتغيّر المناخ. حرّ بيروت ورطوبة أجوائها لا تصل إلى هذا المكان المبارك. إنه مجرّد مكيّف هوائي باهظ الثمن، لكنك مستعدّ نفسياً، وبشكل مسبق، لأن تشعر كأنك وصلت إلى الأرض الموعودة، حيث يمكنك أن تقبض راتباً عن بطالتك، هكذا من دون أن تعمل!
هنا كل شيء يبدو كأنه معدّ ليبشّرك بنعيم الاغتراب؛ النظام والهدوء، لطافة رجال الأمن عندما يفتشون حقائبك بتهذيب، البسمات التي تعلو وجوه الموظفين.
إنه مشهد مناقض لما نراه في الدوائر العامة اللبنانية؛ مبان متداعية، حيث عناصر الدرك غاضبون، والموظفون منزعجون منك من دون سبب، ومعاملتك تحتاج إلى مئة توقيع وختم، ومهارة على القفز بين الطوابق.
داخل السفارة، الوقوف في صفّ طويل لا يزعجك، ولا يخترقه صاحب «معارف»، وأنت لن تحاول الاحتيال على النظام، فوجودك هنا هو فرصة لممارسة «روداج» في التقيد بالقوانين واحترام الغير.
تنهي معاملتك بسرعة فلا يبقى أمامك سوى تجميد حياتك وترقّب اتصال وقصاصة ورق صغيرة قد لا تأتي يوماً.
أنت تعلم كل مشاكل البلاد المقبل عليها بتفاصيلها المملّة، وتعلم أن أياماً صعبة تنتظرك، لكن ذلك لا يعنيك أبداً الآن، المهم هو أن تغادر.
تخرج وفي ذهنك صورة مئات الغارقين على شواطئ المتوسّط من روّاد الهجرة غير الشرعية. تلقي نظرة أخيرة على موظّفة الاستقبال الجميلة، تقرأ هي على جبينك عبارة «الفيزا أو قاع البحر»، وتقرأ أنت في ملامحها «الجنّة، الجنّة الآن!».