اختتمت المخرجة الأميركيّة جاكي سلّوم مساء أمس جولتها على المخيمات الفلسطينية، حيث عرضت فيلمها عن «الهيب هوب الفلسطيني» في مخيّم شاتيلا لللاجئين. وهي تتحضّر لعرض هذا الفيلم الذي ترغب من خلاله بتغيير الصورة النمطية عن العربي، في عددٍ من المناطق والمهرجانات اللبنانيّة، ولاحقاً الدول العربية وأوروبا وأميركا


راجانا حمية
العيون شاخصة إلى الشاشة الكبيرة المنصوبة وسط قاعة المركز العربي الفلسطيني في مخيّم برج البراجنة، تنتظر صوتاً من «هناك»، من داخل فلسطين المحتلّة، للتعرّف إلى معاناة وطنٍ لم تره. هذا الصوت، الذي أتى إلى المخيّم بـ«الواسطة» من خلال فيلم المخرجة الشابّة جاكي سلّوم عن موسيقى «الهيب هوب الفلسطينيّة»، استقطب العشرات من «اللاجئين»، الذين لم يستوعبوا في غمرة فرحهم بالموسيقى الصاخبة، الألم الذي يعيشه أقرانهم في الداخل. طوال ساعة ونصف ساعة، عاش الشباب الحاضرون شعورين متناقضين، فاستغربوا وخبروا في الأوّل عالماً يشبههم إلى حدٍّ كبير في فقره وسجونه وضياعه وموسيقاه «الهيبّية» الطارئة، وامتعضوا، في الجانب الآخر، من «إسرائيل التي حشرت نفسها» في كلّ تفصيلٍ من حياة ثلاث مناطق فلسطينيّة: الضفّة الغربيّة وغزّة وفلسطين 48، حتّى بات شعار النصر في فلسطين الأخيرة شعاراً عبريّاً.
«سوف ننتصر» بالعبري، التي حاول من خلالها ساكنو مناطق الـ«48» إيصال الصوت إلى العدو، لم يستطع أبناء مخيّم الشتات «ابتلاعها»، فكان الطلب «الصعب» من سلّوم بأن تعدّل في بعض الدبلجات التي تتضّمن كلاماً عبريّاً. طلب بادر إليه الشاب ربيع صلاح، لسبب واضح «لا مجال معه للنقاش»، يبدو مألوفاً لمن يعيشون خارج أراضيهم. ولكن إن استطاعت سلّوم إقرار هذا الطلب «كُرمى» لأبناء المخيّمات، فلن يستطيع شباب الـ48 أو الواقعون تحت الاحتلال الحقيقي في دولة فلسطين المحتلّة فعل الأمر نفسه، والتخلّي عن اللغة العبريّة في حياتهم اليوميّة. وهذا ما حاولت سما عبد الهادي، الشابّة التي حضرت من أراضي الـ48 في فلسطين المحتلّة، أوّل من أمس توضيحه لهم. إذ تلفت إلى «أنّ ما نعيشه في الأراضي التي تحتلّها إسرائيل ليس واقعنا، بل هو ما يُفرض علينا نحن كعرب».
الاثنان، فلسطينيو الداخل واللاجئون، يعيشان الألم نفسه ـــــ الداخل والخارج ـــــ ويتوسّلان «الدواء» نفسه، فـ«اللاجئون» و«رُماة الحجارة»، كما يحلو للإسرائيليين وصف بعضهم، اختارا التعبير والخروج من الواقع المفروض عليهما بالموسيقى الصاخبة، التي أتقنت المخرجة سلّوم ترجمتها في فيلمها عن الهيب هوب، الذي استغرقت ولادته أربع سنوات ونصف سنة من العمل والعيش داخل فلسطين، وعلى حواجزها.
في هذا الفيلم، كشفت سلّوم عن الثورة الفلسطينيّة الجديدة التي خلقها مجموعة شباب، من دون أن يلتقوا، فعمل كلّ منهم في نطاقه، ضمن فرق ــــ كان أوّلها فرقة «Dam» في منطقة اللد في فلسطين الـ48، ومن ثَمّ فرق «PR» أو «MWR» أو «Arapeyat» النسائيّة ـــــ من أجل الترويج لثقافة الفلسطينيين النضاليّة. قبل أن تدخل سلّوم في تفاصيل الفرق والمجتمع الفلسطيني أيضاً، بدأت فيلمها برسالة «الاستمرار» التي أراد شباب فلسطين إيصالها إلى أقرانهم في المخيّمات في كلّ دول العالم.
بدأ الفيلم، على وقع موسيقى صاخبة أسكتت بقوّتها صوت الرصاص، ولكنّها لم تُخفِ آثار الدمار والموت التي حضرت بقوّة في مجمل مفاصل العمل. وعلى رغم أنّ الفيلم يستهدف ظاهرة «الهيب هوب» التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، فإنّها لم تخرج عن كونها ترجمة للمعاناة التي يعيشها المواطنون داخل الأراضي المحتلّة والتمييز العنصري تجاههم كعرب وإبراز الاختلاف بين المناطق المحاصرة بالعدو وغيرها الراضخة للاحتلال المباشر، والأخرى التي «تأقلمت» نوعاً ما مع ما يسمّى دولة إسرائيل، استناداً إلى تجارب شباب فرق الهيب هوب. ففي فرقة «دام»، القاطنة في منطقة اللدّ ـــــ فلسطين الـ48، تعشّش الثورة والضياع معاً، على أنّ الضياع بدأ أوّلاً بين اجتذاب الجمهور الإسرائيلي لفنّهم ودعم القضيّة وبين رؤية مدينتهم التي يزنّرها البؤس، حيث يعمد الاحتلال في غالبيّة الأحيان إلى وضع الصخور في الأراضي خوفاً من البناء والتوسّع، أو يضع حاجزاً في ملعب المدرسة بحجّة ضيق المكان. هذه المدينة المحاذية لـ«الأسطورة» تل أبيب، التي تكفّل قائد فرقة دام تامر نفّار شرح معاناتها، حيث تحتاج الفرقة في كلّ مرّة تفكّر فيها في الخروج من منطقة إلى أخرى إلى تصريح «يُقبل أو لا يُقبل، تبعاً للديانة والهويّة».
لكن في مقابل كلّ هذا الضياع، يجهد أعضاء الفرقة الثلاثة إلى دعم القضيّة بوتيرة أعلى ممّا بدأوا به، ولعلّ الدافع الأساس للفورة التي ظهرت في ألبوم «إهداء» «مين إرهابي، أنا إرهابي، يللي إنت هون ببلادي...» كانت الانتفاضة الأولى التي جاءت على أثر دخول آرييل شارون إلى حرم المسجد الأقصى. وعلى خطى «Dam»، اختارت الفرق الأخرى الموسيقى التي تلتصق بالهويّة، تلك الموسيقى الحقيقيّة التي كان أقلّ ما تعانيه فقر وحرمان وتهميش ومعاناة وفقدان للحرية لأبسط حقوق الإنسان. كلّ شرح ما يجتاح «سجنه الكبير» من احتلال، ولكن ثمّة ما يختلف بين سجن وآخر، حيث إنّ فلسطينيّي الـ48 محكومون بنمط حياة من نوع آخر، يحتم عليهم التأقلم مع الواقع الإسرائيلي إلى الدرجة التي يمتنعون فيها عن التكلّم باللغة العربيّة، إمّا خوفاً أو خجلاً، فيما أبناء غزّة المحكومون كانوا أكثر «راحة» في اختيار المفردات، لأنهم «فلسطينيين ببعضُن». أمّا في الضفّة الغربيّة، فقد يكون نمط الحياة السجن، كما حصل مؤخّراً مع رامي وبلال اللذين ألّفا أغنية كرمى لصديقهما الشهيد، فهذه الأغنية التي وعده فيها أحدهما بأنه «ما رح إنساك ومكمّل نضالي فيك أو بلاك»، كانت نهايتها السجن 10 سنوات لرامي واحتمال ثلاث لبلال.