عماد خالد الحطبة *

يتناول الكاتب ناهض حتّر المسألة «الوطنية» الأردنية من وجهة نظر كاتب يساري «وطني» أردني. وفي هذا السياق، يوزع الكاتب الاتهامات في جميع الاتجاهات، فلا يسلم منها مثقف أو سياسي. كما يتبنى الموقف الشعبي الرافض لسياسة الخصخصة في الأردن وما ينجم عنها من فقر وإفقار لقطاعات واسعة من المواطنين، وينسب في هذا المجال الكثير من الفضل إلى «حركة اليسار الاجتماعي الأردني» الوليدة، التي لم تتمكن حتى اللحظة من تجاوز عتبة قانون الأحزاب الأردني لتحصل على 500 عضو من أصل أكثر من خمسة ملايين مواطن أردني.
يكيل حتّر الاتهامات بشكل رئيسي لرئيس الديوان الملكي الهاشمي باسم عوض الله، الذي يمثّل مع الليبراليين الجدد القاسم المشترك لجميع مقالات الكاتب المذكور.
لكن قائمة المتهمين تطول وتطول، لتشمل «فلسطينيي الأردن» الذين يمثّلون حوالى نصف الشعب الأردني. ويرى الكاتب أن «الأردنيين هم السنّة وفلسطينيي الأردن هم الشيعة في خطة المحافظين الجدد لما بعد العراق» (الأخبار، الثلاثاء 24حزيران 2008).
وتنضم إلى القائمة «السلطة الوطنية الفلسطينية» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وأيضاً الإسلاميون والشيوعيون والبعثيون المسجلون، وبقايا اليسار الفلسطيني، والصحافيون والنقابيون المهنيون.
وأخيرا وليس آخراً، يعلن الكاتب عداءه الشخصي وعداء حركة اليسار الاجتماعي الأردني لنظريات القومية العربية، ويرى في طروحات القوميين «ضرباً من التواطؤ مع الصهيونية للخلاص من عبء القضية الفلسطينية».
ورغم كل ما سبق، يصمم الكاتب أنه هو شخصياً ونظريته التاريخية الاجتماعية التي يعمل على إعدادها، يمثلان الشخصية الوطنية للشعب الأردني العربي الذي تمتد عشائره ما بين سوريا والعراق وفلسطين والسعودية.
كمواطن أردني يعيش في وطنه بأمان منذ أكثر من 45 عاماً، أعترض مثل معظم الأردنيين على سياسة الخصخصة، وعلى كل السياسات الاقتصادية لليبراليين الجدد. شأننا في هذا الاعتراض شأن كل الشعوب التي تعاني من سياسات الخصخصة غير المدروسة، كما هي الحال في مصر ولبنان والمغرب، التي تجاوزت شعوبها في الاحتجاج مرحلة العرائض والمقالات والبيانات، وخرجت إلى الشوارع في حركات ومسيرات احتجاجية من دون أن تعلم أو تسمع عن «حركة اليسار الاجتماعي الأردني»، أو عن صحيفة «العرب اليوم». حدث كل هذا ويحدث ونحن نعتقد أننا نعيش في وطن مستقر اجتماعياً وسياسياً، وأن ما من شيء يهدّد كيانه السياسي، بل أكاد أجزم بأن الأردنيين لم يكونوا يوماً مجمعين على شكل
كيانهم السياسي كما هم اليوم.
وهذا الإجماع لا يعني بالضرورة الموافقة على كل السياسات المتبناة من جانب الحكومات المختلفة. هذا الشعور بالأمان كان راسخاً لدينا، رغم كل تصريحات «الوطن البديل» التي تصدر هنا وهناك، لقناعتنا بأن هذه المؤامرة قد أفشلتها سياسة الدولة الأردنية، ونضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته، والتي أكدت دون شك ودون الحاجة إلى شهادة اعتراف من حتّر أو من حركته اليسارية، أن الشعب الفلسطيني يرفض التوطين أو المساومة على حقه بالعودة.
كنا نشعر بالأمان، حتى جاءت مقالات حتّر لتخبرنا أن التهديد الذي يتعرض له بلدنا ليس خارجياً فحسب، بل هو خطر داخلي تقوده غالبية فئات الشعب الأردني من سياسيين وكتّاب وصحافيين ونقابيين وأكاديميين. هذا الشعور بالخطر يضعنا
أمام سؤالين متناقضين: الأول، هل حقيقة أن كل هذه الفئات التي تمثّل غالبية مطلقة من الأردنيين (أكثر من 51%) متآمرة ضد كيانها ورافضة لمشروعه الوطني ولشخصيته الوطنية؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل هذا يعني من وجهة نظر ديموقراطية أن علينا أن نفسح المجال لهذه الأغلبية لفرض خيارها الديموقراطي؟
نعتقد أن السيد حتّر أخطأ الهدف، وأصابه في ما قاله في أحد مقالاته عن الشيء الذي ينتج عكسه؛ فهو لفرط ثقته بنفسه وبوطنيته نزع هذه الصفة عن غالبية الأردنيين، دون أن يدرك أنه بذلك يصل إلى عكس النتيجة التي أرادها.
السؤال الثاني: ألا تقوم السياسة الأميركية في المنطقة على ضرب المكوّنات المختلفة للمجتمعات العربية وخلخلتها، لزعزعتها والنفاذ من الشقوق لإملاء
سياساتها؟
هل إذا اعتمدنا الأسلوب «الحتّري» في التحليل السياسي، نستطيع أن نسمي إثارة النعرة الإقليمية في الأردن ضرباً من التواطؤ مع السياسة الأميركية الصهيونية تجاه الأردن؟
ينعت السيد حتّر باسم عوض الله بأنه «كوهين الأردن»، فهل يريد هو أن يكون «بشير الجميل» الأردن؟ يختبئ السيد حتّر في جميع مقالاته خلف شعارين جميلين، أولهما دفاعه عن الدولة الأردنية، وأجهزتها العامة والأمنية، وهي الدولة نفسها التي يتهمها بتزوير الانتخابات النيابية، واتباع سياسة (نهب) للممتلكات العامة، والأجهزة الأمنية نفسها التي يقول عنها إنها ليست «استخبارات دولة بل دولة استخبارات». وبالطبع هي الدولة نفسها التي عارضها السيد حتّر في زمن الملك الراحل الذي أصبح اليوم (من وجهة نظر السيد حتّر) محبوب الأردنيين لأنه سعى إلى حفظ كيانهم وشخيصتهم الوطنية.
ولا يشير السيد حتّر إلى أسباب معارضته للملك الراحل واتهام الأجهزة الأمنية بالاعتداء عليه، كما لا يوضح لنا كيف ارتدّ عن هذه المعارضة (بعد فوات الأوان) وما أسباب هذه الردّة؟
أما الشعار الثاني فهو «دعم خط المقاومة»، وهي المقاومة نفسها التي يفرغها السيد حتّر من كل محتواها. فالمقاومة التي يتصدّرها حزب الله، وهو حزب إسلامي من الإسلاميين أنفسهم الذين أصبحوا خارج الصراع. وينطبق الحال على فلسطين، فالمقاومة إما إسلامية ينطبق عليها الوصف السابق، أو هي من فصائل منظمة التحرير التي يتهمها حتّر بالتعاون مع الصهاينة لتمرير «مؤامرة الوطن البديل» على حساب الكيان الأردني.
ماذا يريد السيد حتّر؟ إلى أي جانب هو بالضبط؟ أنا شخصياً لا أعرف، فهو يساري عشائري طائفي معارض للسلطة موال لأجهزة الدولة العامة والأمنية. مناهض للعولمة الرأسمالية ومؤيد للمقاومة الإسلامية القومية ومعارض للإسلام السياسي والنظريات القومية.
* كاتب أردني