يقوم مئات المؤمنين بالترحيب ببزوغ الفجر، يتوافدون إلى أعلى قمة جبل حرمون في الرابع من آب، بعضهم يعطي للزيارة طابعاً دينياً مسيحياً في عيد التجلي، ولكن التقليد يرجعها إلى الحضارات القديمة وإلى عبادة الشمس


حرمون ـ كامل جابر
بيروت ـ جوان فرشخ بجالي
في الرابع من آب، يَؤم المؤمنون بالمئات قمة جبل حرمون (1814 متراً عن سطح البحر). يسيرون تحت جنح الظلام، في مجرى المياه والتلال الوعرة مرتدين ثيابهم الدافئة لتحميهم من صقيع الليل القارس. يصلون القمة قبل الفجر، يتربعون على الأرض وينتظرون ولادة شمس النهار الجديد الآتي من الأفق البعيد خلف الصحراء. وما إن تبدأ أشعة الشمس بالبزوغ حتى تصدح الأنغام والتراتيل الدينية من أعلى الجبل لاستقبالها ومشاهدة بداية نهار جديد ورحيل الليل في آن واحد. نصف ساعة «سحرية» يعيشها زائرو الشمس في أعلى جبل حرمون كفيلة بإعادة الحياة إلى تقاليد وشعائر دينية عمرها آلاف السنين.
ففي الديانات القديمة، ترمز مشاهدة ولادة نهار وأفول ليل إلى التحوّل من مناخ الشتاء البارد إلى الصيف الدافئ، والانتقال من الموت إلى الحياة. وهﺫا ما ﺫاق طعمه «زائرو قمة حرمون» الﺫين عاشوا الصقيع خلال مسيرتهم، ثم عرفوا دفء النهار مع شروق الشمس. بالنسبة إلى الزائرين المؤمنين إنه التحسس المعنوي للحظات «التجلي» التي عاشها المسيح قبل ألفي سنة هناك، قرب إحدى التلال. ﺫلك هو التفسير «المسيحي» لخطى هؤلاء الزائرين الﺫين يعيدون في الواقع بخطاهم وتأملهم للشمس، عربون الحياة لعادات وتقاليد الديانات التي سبقت المسيحية بكثير. فمن المعروف تاريخياً أن الشعائر الدينية والﺫبائح والنﺫور كانت تقدم إلى الآلهة عند أعلى الجبال. ولو كان بين الزائرين علماء آثار مختصون بتوارث التقاليد لربطوا بين بعض تلك الشعائر التي قام بها المشاركون، وتلك التي يرد ﺫكرها في الكتب القديمة عن عبادة الشمس وتحول الطقوس في الحضارات الفرعونية إلى السومرية والفنيقية.
ومما لا شك فيه أن تلك الزيارة، التي هي الثانية منﺫ تحرير المناطق الجنوبية التي كانت تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، ليست الأولى من نوعها على قمة جبل حرمون. فالمعالم الأثرية التي يعرفها السكان، والتي لا تزال تعدّ مقدسة منتشرة فوق السفح. فهناك مثلاً «صخرة التطواف» التي بقي الناس يؤمّونها ويقدمون النﺫور عند أسفلها إلى أن منعتهم عن ذلك الحروب والاحتلال. وقرب الصخرة هناك المغارة ذات الرمزية التعبدية، إﺫ يتوسطها عمود صخري يربط قعرها بسقفها «دلالة على ارتباط الأرض بالسماء» كما يقول بعض الزائرين. قرب المغارة معبد يطلق عليه سكان المنطقة اسم «معبد شبيب»، والمعروف أنه الأعلى في الشرق الأوسط. ولكن للأسف ما من دراسة علمية تحدد تاريخ بنائه أو تعطي وصفاً تفصيلياً لشكله الهندسي... مما يشرّع الباب أمام النظريات عن أصل التسمية والديانة القديمة.
ولكن زيارة المؤمنين إلى قمة جبل حرمون لم تكتمل، إﺫ يُمنع عليهم دخول المغارة والوصول إلى المعبد. فقوات «الأندوف» التابعة للأمم المتحدة قوّضت على مدى سنوات انتشارها في أعلى قمة حرمون معظم المعالم الأثرية تحت رعايتها. فأتت الأسلاك الشائكة والتحصينات المعقدة، لتفصلهم عن المعالم «المقدسة» داخل حرم مركز «القوات الدولية» الواقع في منطقة تقاطع دولية بين لبنان وسوريا وفلسطين. وتعبيراً عن موقف «المؤمنين» والزائرين «السلمي» تجاه سلبية موقف جنود الأمم المتحدة، يتوجه بعض الكهنة وخَدَمة الرعية الأرثوذكسية في منطقة راشيا، نحو بعض صخور الموقع، خارج تحصينات «الأندوف» فيتركون هناك شجرتي أرز، وحمامتين بيضاوين، «رسالة» إلى المتحصّنين في الداخل: إن قاصدي قمة الجبل، على مختلف مللهم ومناطقهم، هم مسالمون ويقومون بمهمة إيمانية واستطلاع تاريخي ليس إلا.
ويؤكد الباحث في علم الاجتماع والآثار منير مهنا «أن قوات الأندوف لا تراعي القيمة المقدسة للموقع، فقد أقامت أخيراً محرقة للنفايات عند التخوم الشرقية للمعبد حيث الصخور التاريخية التي يتكون منها، وراحت تحرق نفاياتها التي ينبعث منها دخان أسود كثيف بات يشوّه الصخور الحاملة أسرار التاريخ والقداسة منذ أقدم العهود».
الزيارات السنوية لقمة حرمون، التي ستصبح تقليداً في مناسبة «عيد التجلي» (عيد الرب)، تمثّل دافعاً للمئات من اللبنانيين والأجانب، للتعرف إلى إرث هذا الجبل الﺫي كان قد شهد معارك ضارية جرت في حزيران 1967 وتشرين الأول 1973 التي تركت أثرها البالغ في محيط الموقع الأثري. فجدران»قصر شبيب» كانت هي الأخرى هدفاً للنهب الإسرائيلي، فيما تكوّن مئات القذائف والصواريخ والآليات والمروحيات المتفجرة والمتناثرة، متحفاً حربياً ميدانياً «يقتل» من طابع الجبل التاريخي الديني المرحّب بالحياة وضوء النهار.