زينة خليل

«لولا الإسكافي... لمشيت حافي»، مقولة كانت سائدة في لبنان قبل انتشار معامل الأحﺫية، وكانت مهنة الإسكافي رائجة جداً في سوق زوق مكايل القديمة، المحلة التي كانت تصحو وتنام على مشهد الإسكافيّين الذين اشتغلوا في صناعة الحذاء العربي، حذاء يتميز بـ«قطبه الخفيّة». هذه التقنية في التصنيع أتقنها حرفيو الزوق، فكانوا يخيطون الحﺫاء ثم يقلبونه بشكل يخفي «القطبة». وبقيت الحرفة رائجة إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى، بين 1914 ـــ 1918، وضربت المجاعة البلاد، وأدت إلى وفاة ثلث سكان الساحل اللبناني. وبالطبع، لم يسلم إسكافيّو الزوق من ﺫلك الواقع. فكان عددهم يتجاوز 150 في حينها، ولكن كثيرين منهم قضوا جوعاً، واختار آخرون الانتقال إلى ديار الغربة.
وحده «الختيار» وديع عودة قرّر أن يبقى وفيّاً لمهنة ورثها «أبّاً عن جدّ»، إذ إن تقاليد اختيار الحرفة منذ الصغر كانت كافية لإصراره على البقاء فيها. يبدو هذا الرجل في العقد السابع، وما بقي من شعره غطّته خصلات الزمن البيضاء، وعلى وجهه تظهر علامات التعب، الﺫي يرده إلى مهنة احترفها منذ 58 سنة.
في محلّه المتواضع الﺫي يعج بالقطع البسيطة، يستقبل عودة الزوار، يكرر الـ«أهلاً وسهلاً» وهو يحمل «عدّته الأثرية»، رأس ماله الوحيد في الحياة، ويروح يشرح أهمية كل قطعة فيها. على طاولة خشبيّة أكل عليها الدهر وشرب، يعرض عدداً من أزواج الأحذية، ومقصّاً للخيطان، وسكّيناً لقصّ الجلد وكمّاشة لشدّه، ومجموعة من الأربطة الملوّنة، و«شاكوشاً» لدقّ النعل، وماكينة خياطة الأحذية.
تبدأ حكاية «الختيار وديع» منذ كان في الثانية عشرة من عمره، اصطحبه والده أنطون إلى المحلّ، فكانت بداية عشقه للمهنة التي أذاقته الأمرّين، والتي هي بالنسبة إليه مجهولة التاريخ، فـ«هي صناعة قديمة قِدَم تاريخ البلدة، بحسب شهادة كبار المسنّين... وقد أطعمت أجيالاً من العائلات طوال عقود خلت». وبخبرة من عرف أسرار المهنة بدأ شرحه: «أصنّع الحذاء على مراحل، والعملية تتطلّب صبراً، إﺫ أجلس أحياناً 12 ساعة من دون أن أتحرّك من مكاني. بداية، أنفّذ الموديل على الورقة ثم أضع النعل ومن فوقه الضبان، قبل أن أخيط الحذاء، في الماضي، حين كانت الصحة تسمح، كنت أخيط الحﺫاء بيديّ، أما اليوم فأصبحت أتكّل على الماكينة». ويكمل، «أفصّل القماش، وأدرزه على الماكينة ومن ثم أضعه على قالب مصنوع من الخشب، وأعتمد على وضع الصمغ المستورد من إيطاليا على النعل، وأتركه ليجفّ. بعد ذلك، أثبّت الكعب باستخدامي خشبة متّصلة بقطعة حديديّة، أضع فيها الحذاء لأدقّ المسامير. ويبقى «الجلخ» الذي حلّ مكان ورقة الزجاج التي كانت معتمدة سابقاً لـ«حفّ النعل». وفي المرحلة النهائية يأتي الصباغ الذي يُطلى به الحذاء بحسب رغبة الزبون.
ويخبر «الختيار» عن أسرار وأيام عز المهنة التي تكثر الحكايات عن إتقانها من جانب إسكافي الزوق قبل الحرب العالمية الأولى. فيشاع مثلاً «أن أحد الرهبان سافر إلى إيطاليا منتعلاً «مشّاية» من صنع الزوق، وهناك أعجبتهم كثيراً طريقة الخياطة، فاخترعوا الماكينات لهذه الغاية. «ولكنهم لم يعرفوا أن السرّ يكمن في القطبة المخفيّة»، يقول عودة ضاحكاً. سر بالطبع لا يزال الختيار يحتفظ به لنفسه، ولكنه يرفض أن يورثه لأحد، مع العلم بأن المهنة في الزوق هي على طريق الزوال، فهو آخر من يحترفها. ولكن «الختيار» يصر على «أن الحياة علمته أن يلبّي رغبة من يطلب تعلم المهنة، فحرام أن يتحمّل همومها».