أشارت إحصائية صدرت عن مجموعة Miniwatts الأميركية للتسويق إلى تفوّق المنطقة العربية في نسبة ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت في الفترة الممتدة بين عامي 2000 و 2008، برقم تجاوز 1176%، ليحتل العالم العربي المركز الأول في الإحصاء العالمي، مقابل معدل نمو عالمي يبلغ 290%


خضر سلامة
أعلنت الأمم المتحدة عام 2008 السنة الدولية للغات، فما هو حال لغتنا الأم في الشبكة الافتراضية؟
النمو المطّرد في أعداد مستخدمي الشبكة الافتراضية في منطقتنا العربية، تشوّهه آفة القصور في المحتوى الرقمي العربي، فحسب دراسة أجرتها الجامعة الأميركية في القاهرة، فإن 78% من مستخدمي الإنترنت العرب لم يمارسوا يوماً الطباعة باللغة العربية!
منذ انتشار شبكة الإنترنت، طُرِحت الشبكة المعلوماتية كنافذة للتواصل والتحادث والتعارف، كان إطارها البرامج المتخصصة في المحادثة، لتبرز مشكلة سببها اللغة شبه الموحدة للشبكة، أي الإنكليزية، التي أفرزت بـ«ديكتاتوريتها الثقافية» ما يحلو للبعض تسميته «اللغة البديلة»، لغةٌ أزاحت أحرف اللغة العربية واستبدلتها لفظاً بأحرف لاتينية أو أرقام تعوّض النقص في أحرف الإنكليزية عن تلبية بعض الحروف في لغة الضاد، فكي تتعامل مع القسم الأكبر من مستخدمي الشبكة، عليك أن تتقن هذه اللغة الهجينة الناتجة من تزاوج اللفظ العربي بالكتابة اللاتينية، تُستبدل الهمزة بالرقم 2، والعين بالرقم 3، وما إلى ذلك...
يارا الحاج شابة لا ترى في الأمر خطأً، وتقول: «الكتابة بالأحرف اللاتينية واقع وأسلوب عصري، يعني أن نكون جيلاً يعبّر عن نفسه بهذه اللغات التي وجد نفسه تحت وطأتها، بطريقة توازن بين البيئة اللغوية الأصلية الموروثة، والبيئة العلمية التي تذوقناها». لكن الأزمة أعمق من هذه النظرة المنفعلة، فالكتابة بالأحرف الأجنبية هي ردة فعلٍ على اقتحام الأنكلوأميركية لثقافتنا الغافية تحت كمّ هائل من التكنولوجيا الحديثة المبرمجة على هذه اللغة، والتي وضعت العربية لفترة طويلة على هامش العمل المعلوماتي المحكوم بلغة المصدر والمنتج، على حد تعبير رانيا، طالبة السنة الثالثة في علم الاجتماع، «تشرّب شبابنا البرمجة بالأجنبية، وتالياً، مع تلاقيها بالإغراق الدراسي بالمناهج الغربية واعتماد اللاتينية في اللغات العلمية في بلادنا... هكذا اعتادوا لغةً بديلة تعوّض عجزهم عن التعبير بالعربية في عالم التكنولوجيا».
أستاذ مادة اللغات المعاصرة في جامعة مارك بلوك شرقي فرنسا بيير نوبل، رأى أن خطر لغة المحادثة الإلكترونية ليس محصوراً باللغة العربية، فاللغة الفرنسية أيضاً تعاني من منافسة هذه اللغة الهجينة لها في يوميات الجيل الشاب، بين المدوّنات الإلكترونية ورسائل الهاتف القصيرة sms، وحتى في تدوين المحاضرات في الجامعة.
نوبل يرى أن هذه الظاهرة هي نتيجة عصر السرعة الذي يحاصرنا، ويمثّل هاجس الشباب ومسيّرهم اللاإرادي، فالاختصارات واستعمال الأرقام كمخارج لفظية أسرع للطباعة ولإيصال الفكرة، وأيضاً، فهذه اللغة تميز الشاب عن أهله لتكون لغة تخصّ جيله وحده.
نوبل عرض مقتطفات من دراسة أجرتها الجامعة بشأن امتدادات لغة المحادثات الإلكترونية في المجتمع، والنتائج كانت كارثية، 73.4% من مستخدمي الشبكة يستخدمون في المحادثة لغةً غير لغتهم الأم، سواء أجنبية أو لغة هجينة غير ملتزمة بالقواعد والأصول الإملائية، 92% ممن شملهم الإحصاء يلومون اللغة الأم على هذه النتيجة، ويتهمونها بالقصور أمام عوامل السرعة أو البرمجة أو القدرة التعبيرية أو غيرها، 52% من المستخدمين ممن يقل عمرهم عن 25 عاماً يتمنون لو يُسمح باستخدام لغة «التشات» خارج الحقل الافتراضي، سواء في الجامعة أو الإعلام أو التواصل. من هنا نفهم ما يأتي في مقالات عربية بأن «هذه الظاهرة شكل من أشكال التمرد الطبيعي في علم اللغات، وذلك لمواكبة الحداثة والنقلة العالمية إلى عالم الكمبيوتر والتكيّف مع الأمركة الثقافية، وهي تعبير عن ضيق اللغة العربية الأم برتابتها عن مواكبة تطلعات الشباب الخاضع لهذه المسيرة العالمية، فأنتج لغةً بديلةً تجعله في خط متمايز عن الجيل السابق».
يجزم نوبل أن النتائج ستكون كارثية على اللغات، لا سيما التي تعاني من تقاعس أبنائها عن تطويرها كالعربية، وباقي اللغات المتأخرة عن الدخول إلى حيثيات القرن الواحد والعشرين، أما اللغات اللاتينية بمعظمها «فهي نسبياً معرضة لخطر أقل، لامتلاكها احتياطياً ثقافياً وعلمياً مهماً يحافظ على أسسها، ولتجذر معظمها في عالم الإنترنت بمواد مهمة، ولأن هذه اللغات ترعاها مؤسسات رسمية متخصصة تصنفها ثروةً وطنيةً، لكن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن مخاطر تمرّد لغوي قد يتوسع أكثر فأكثر ليصنع هوة بين جيلين، وبين مدرستين إذا لم يُضبط ويراقب جيداً».
مهما اختلفت المواقف من هذه الظاهرة وتضاربت الآراء والمواقف، يبقى استنتاج وحيد، وهو أن اللغة العربية في مأزق جدي في عالم المعلوماتية، وليس خروج لغة «التشات» من حدود شاشة الكمبيوتر لتُدخل كلمات هجينة في يومياتنا، إلا إنذاراً جدياً بتدهور وضع اللغة وقيمتها ودورها، ليس فقط كتابةً وتواصلاً إلكترونياً، بل لتتراجع بقوة أمام تعريب اللفظ الإنكليزي في المحادثات الحية اليومية والعلاقات الاجتماعية، بل في المعاملات التجارية.