بلغت حصيلة حوادث السير لعام 2007، بحسب الـ«يازا» 850 قتيلاً و10500 جريح، أي بمعدّل نحو 3 قتلى يومياً. هذا الرقم مرشّح للزيادة بنسبة 20 % في نهاية السنة الحالية بسبب استمرار عدم جدية إدارات الدولة في معالجة المشكلة من جهة، وتهوّر السائقين من جهة أخرى


رضوان مرتضى
يُعَدّ «أحمد» من المحظوظين، فهو لم يمت أو على الأقل لم تنكسر عظام جمجمته كما حصل مع منير (28 سنة) الذي كانت الغيبوبة رفيقته على مدى 15 يوماً في المستشفى جراء حادث مروّع على أوتوستراد حافظ الأسد حيث كان يقود سيارته بسرعة تزيد عن 120 كلم في الساعة. يقول منير: «لم يكن يخطر ببالي أن ينفجر الإطار، فأنا أقوم بصيانة دورية لسيارتي لكنه حظّي». أمضى منير شهراً في المستشفى بعد دخوله في غيبوبة لمدة 15 يوماً إثر إصابته بكسور في جمجمته وجروح في أنحاء جسده وتهشّم عظام كاحله الأيسر، «لحظة الحادثة سمعت صوتاً قوياً وانقلبت السيارة. وعندما استفقت وجدت نفسي في المستشفى». حركة السير على الطرقات تتصاعد وتيرتها في وقت تتقلّص فيه المساحات المخصصة للأرصفة وعبور المارة. وفي معظم الأحيان، لا يرى سائقو السيارات والدراجات النارية أضواء إشارات المرور المثبتة على تقاطع الطرقات، ذلك أنّ إشارات المرور غير موجودة بالأصل في بعض الأماكن. ويعود ارتفاع نسبة الحوادث لعدة أسباب أبرزها سلوك السائقين، والمشاة، والسرعة الفائقة، إضافةً إلى تصميم الطرق ووضع العلامات الإرشادية. يضاف إلى ذلك عامل الحمولة الزائدة وعدم الالتزام بنظام السير وإهمال جوانب الصيانة الفنية للسيارات من جانب بعض السائقين. كما أن عدم التفكير في سياسة تجديد الآليات والمركبات يؤدي دوراً في زيادة نسبة الحوادث، حيث وصلت نسبة التقادم إلى 50 في المئة من مجموع السيارات والآليات العاملة على الطرق وغير الصالحة للاستخدام التي قد انتهى عمرها الافتراضي.
«كنت أقود بسرعة 110 كلم في الساعة. فجأة لم أعد أرى غير اللون الأبيض. الدنيا كلها صارت بيضاء في عيوني. سمعت صوت ضربة قوية، لم أعد أشعر بشيء بعدها. وعندما استفقت كنت تحت السيارة. سحبت جسمي من تحتها محاولاً الوقوف. لم أستطع، كان حوضي مكسوراً». هكذا يروي أحمد غ.، أحد سائقي الدراجات النارية، الذي تعرّض لحادث سير منذ حوالى سنة، أدى الى كسر في حوضه وتقطّع أوتار في قدميه ويده.
حال أحمد ليست أفضل من ولاء محسن (18 سنة) التي دخلت في سجلات ضحايا حوادث السير منذ ما يقارب سنتين. فأثناء توجهها مع أهلها من منطقة الجنوب إلى بيروت لم يتمالك أخوها السائق نفسه حينما تجاوزته سيارة مسرعة «فهو لا يرضى أن تهان رجولته في السواقة». زاد سرعته ليتجاوز شاحنة، «طلبت إليه تخفيف السرعة لكن القدر غير المحتوم وقع، اقتربت الشاحنة منا وحشرتنا إلى جانب الفاصل الوسطي فانقلبت السيارة وتدحرجت بنا، أصيبت أمي بجروح وكسور فيما فقدت قدرتي على المشي».

مشاريع ضحايا مستقبليّين

غالباً ما يحمّل المواطنون الدولة المقصّرة مسؤولية حوادث السير. فيتحدّث أحمد ش. (40 سنة) عن قانون السير البالي الذي لم يسهم في التخفيف من حجم الحوادث بل فاقمها، إضافةً إلى سوء صيانة الطرقات في معظم المناطق اللبنانية، مشيراً إلى «أنه لا يمكنك قيادة سيارتك دون أن تتراقص مصارينك على أدراج الزفت الموسيقية». سبيل (26 سنة) التي فقدت شقيقتها وابنتها جراء حادث سير، تشارك أحمد في تحميل الدولة المسؤولية، فـ«الدولة هي التي توزّع رخص السوق كما توزّع الإعاشات في أيام الحرب».
لكنّ الدولة، على الرغم من تقصيرها، ليست دائماً المسؤول الوحيد عن هذه الحوادث. المسؤولية تقع أيضاً على عاتق الشباب الذين يرغبون في التشفيط ولفت النظر، بحسب علي (20 سنة)، «فلولا السرعة لما سالت دماء هؤلاء يومياً على الطرقات». يمكن تسمية هؤلاء الشباب بمشاريع ضحايا مستقبليّين، نظراً لعلاقة العشق التي تربطهم بالسرعة.
عادل مرعي (40 سنة) لا تروق له القيادة ما لم يقارع جميع من يحاول تجاوزه على الطرقات، حتى ولو جرّه هذا التحدّي إلى تعريض حياته وحياة من معه للخطر. يقول عادل إنه يهوى السباقات على الطرقات العامة والأوتوسترادات لما فيها من حماسة وتشويق، ولا سيما الدخول والخروج بين السيارات أو ما يقال له باللهجة العامية «بتوينات» (من كلمة BETWEEN) او «زيغزاغ». أما أحمد خريس، مشروع ضحية آخر، فلا يشعر بنفسه إلا عندما تتخطى سرعة قيادته الـ 100 كلم في الساعة، فالسرعة الجنونية تحقق له بعضاً من نشوته.
نشوة يركض خلفها أبو أمجد (45 سنة)، الذي اختبر جنون السرعة على طرقات الجنوب والشمال والبقاع والمدينة. لكن اللافت في ما يفعله أبو أمجد اصطحابه ولديه المراهقين، معرّضاً حياتهما للخطر، ليختبرا «السعادة القاتلة».
أما وليد العجوز (20 سنة) فيقول إنه يحقق ذاته من خلال القيادة السريعة، «الطرقات بحاجة إلى الرجال ونحن رجال الرجال». إذاً، هي حكاية الرجولة. «رجولة» للفتيات نصيب كبير منها، فبارعة ترى أن السرعة أمر ضروري للحياة، فهي تشعرها بلذة احتراف السواقة والمنافسة. الأمر الذي تفسّره رانية على أنه إثبات الفتاة لنفسها في المجتمع الذكوري، «صحيح أن حركة السرعة والـ«بتوينات» للشبان إلا أنه لا شيء يمنع من دخول الفتاة على هذا الخط، فنحن موجودات أيضاً ولنا قدراتنا الخاصة». عند زاوية تقاطع الكفاءات ــ المريجة، تقف ليلى قرب سيارتها الـ «ب أم» طراز 325 وتشير بيدها إلى السيارة وتقول: «هيدي حياتي، يوم يلي ما بتسرع بتكون حياتي انتهت».

للحدّ من الحوادث وخسائرها

لقد تمكّنت جمعية اليازا من استصدار قانون سير جديد ينظم حركة المرور ويؤمّن تطبيقاً صارماً لمعايير السلامة العامة في قيادة المركبات عبر مبدأ تصاعديّة الغرامة في حال التكرار، إلا أن المشكلة تكمن في جدية تطبيق المعنيين لهذا القانون. كذلك قامت الجمعية بحملات دعائية بالتعاون مع المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، إلا أن الأمر لم يؤدِّ إلى نتيجة. فحوادث السير لم تنخفض، ولا يزال السؤال الرئيس يدور حول فعاليّة الإجراءات المتّخذة للحدّ من خسائر حوادث السير، بعدما أشارت مؤسّسة الأبحاث العلمية SRF إلى أن خسائر حوادث السير في لبنان ناهزت 970 مليون دولار أميركي عام 2007 (بحسب دراسة سويرود لتقويم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن حوادث السير في لبنان). كما دعت اليازا إلى التشدّد في قمع مخالفات السير وتطبيق قانون كفيل بالردع (كنظام النقاط السوداء وسحب رخص السوق)، وتعزيز استخدام خُوَذ الرأس لراكبي الدراجات وأحزمة الأمان للسيارات وتحسين تصميم الطرق والمركبات، ولفتت إلى أنه قد وصلت إلى لبنان رادارات حديثة وزُرعت كاميرات على الطرقات السريعة، لذلك طلبت إلى المديرية العامة تفعيل هذه الرادارات بشكل يومي على مدى سنة كاملة حتى يتّعظ المخالفون.
وطالبت الجمعية بضرورة إجراء تطوير جذري لامتحان السوق بشطريه النظري والعملي، ومكافحة الفساد في منح رخص القيادة، وإعطاء دور رقابي لقوى الأمن الداخلي في عملية منح وتجديد إجازات السوق. ودعت إلى تفعيل محطات الأوزان المحورية المتنقلة بهدف ضبط أوزان المركبات الثقيلة وذلك بعد سقوط الكثير من الضحايا نتيجة «مجازر حوادث الشاحنات».

1698 حادث منذ مطلع 2008