لا أحد يجهل أسباب أزمة كركوك، ولا أحد يجهل عمقها وخطورتها وقدمها. ولكن ما هو غير معروف لدى الجميع هو لماذا انفجرت الآن؟ لماذا في هذا الوقت على وجه التحديد؟ وهل كان انفجارها حتميّاً، أم إنه خطأ ارتكبه بعض موظفي إقليم كردستان، بدون قناعة تامة من قادتها، كما يدّعي بعض الحكّام الأكراد؟


سلام عبود*
للجواب عن هذه الأسئلة يتوجب علينا العودة إلى حدثين منسيّين، الأول: هو الأزمة السابقة بين التحالف الكردستاني والائتلاف الموحّد، التي حدثت في نهاية حكم إبراهيم الجعفري، والتي انتهت بإبعاده عن رئاسة الحكومة. وقوبلت إزاحة الجعفري بارتياح الأميركيين، لأنهم تخلصوا من سياسي غامض، رغم محاباته لهم. وأفرح إبعاد الجعفري جماعة عبد العزيز الحكيم لأنه أزاح من طريقهم منافساً ملتوياً، وأبهج بعض أطراف حزب الدعوة، الذين عجّلوا في الاستيلاء على منصبه، واكتفى القادة الكرد بأقل المكاسب: زهو المنتصرين.
أما الحادث الثاني فهو التهديد الشهير الذي أطلقه رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، والذي قال فيه «سنعطي الأطراف الأخرى (الجعفري) فرصة لمراجعة أنفسهم، ولكننا لن نمنحهم أكثر من ستة أشهر، بعد ذلك سيكون لنا رأي».
كان «الرأي» الذي لم يفهمه الجعفري جيداً هو مقدرة القيادة الكردية الفعلية على إزاحة كل من يقف في طريقها بالوسائل كلها، المتخيلة وغير المتخيلة.
وقد فهم الجعفري الدرس، ولكن بعدما وجد نفسه مجدداً لاجئاً يبحث عن إقامة.
بيد أنّ نجاح القيادة الكردية في إبعاد الجعفري، رافقه سوء طالع، سببه خسارة الرهان على مرشح جماعة الحكيم عادل عبد المهدي وصعود رجل الدعوة الثاني نوري المالكي.
المشكلة التي واجهها القادة الأكراد حينذاك، هي أنهم أُرغموا، باسم «تحالف الكتل»، على القبول برئيس وزراء جديد طبقاً للمحاصصة؛ لكنهم لم يتمكنوا من فرض مبدأ التحاصص داخل كتلة الائتلاف، بسبب وجود غير تيار في داخلها، بعضها يتعارض تعارضاً حاداً مع جماعة الحكيم كحزب الفضيلة والصدريين، الذين مالوا إلى مرشح الدعوة نكاية بمرشح الحكيم؛ وبذلك سقط الانقلاب الكردي الأول، الهادف إلى حسم موضوع السيطرة على مركز القوة والقرار في العراق الجديد وتقاسم العراق القديم تقاسماً تاماً سياسياً وجغرافياً.
لكن هزيمة التحالف الكردستاني وحليفه المخلص جماعة الحكيم لم تمرّ من دون ثمن. فقد اشتكى الحليفان لدى الأب الحامي الأميركي، متهمين المالكي بالضعف وبأنه لا يستطيع أن يدير السلطة مستقلاً، وأن حكومته ستكون موضع ابتزاز من قوى لا تؤمن حقاً بالعملية السياسية. وقد أثبتوا أقوالهم من خلال أمثلة مأخوذة من سلوك حزب الفضيلة والصدريين المتذبذب وعلاقتهم المتأرجحة بالحكومة.
وكان هوشيار زيباري هو من تولى هذه المرة مهمة تحديد فترة التهديد المقررة من جانب القيادة الكردية لرؤساء الحكومات العراقية؛ فقد نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» ذلك التهديد قائلة: إن الوزير حضر مناقشات مجلس الأمن بشأن تمديد وجود القوة المتعددة الجنسيات بقيادة القوات الأميركية، وصرح لمراسها في نيويورك، صلاح عواد قائلاً: «إن الأشهر الستة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة لحكومة المالكي حتى تثبت أداءها وكفاءتها لقيادة البلاد».
أمّا الأميركيون، فقد وضعوا شروطاً قاسية، زمنية على طريقة البارزاني وهوشيار زيباري، طالبوا فيها المالكي بأن يُثبت ذاته السلطوية، وطالبوا مجموعته بأن يتقيّدوا بجداول الأعمال المقررة لهم، كشرط للبقاء، وشرط لازم لكي يجري تسويقهم عالمياً (مؤتمر بروكسل ثم استوكهولم)، وعربياً (مؤتمر الكويت)، وأن بقاءهم مرهون زمنياً بهذا السقف: المؤتمرات الثلاثة.
خروج حزب الفضيلة وتهديدات الصدريين المستمر بالكف عن دعم الحكومة، وسعي الكتلة الكردية إلى شراء الحزب الإسلامي شراءً تاماً، جعلت المالكي يشعر بأنّه معلَّق في الهواء، بلا سند، ممّا اضطرّه إلى منح جماعة الحكيم والكتلة الكردية الكثير من التنازلات، التي تفوق ما خططوا له وتمنّوا الحصول عليه، حتى أنّ الأكراد جرّدوا مستشاره الشخصي من لقبه المحبّب، حينما انتقد مرة، سهواً، شدة الضغوط التي يمارسها القادة الأكراد وانفلات غرائزهم وشهيتهم للابتلاع السريع، وتخليهم عن تحفظهم كسياسيّين حكوميّين عراقيين.
أحسّ فريق المالكي بأنّ سلوك زيباري المستهتر وصلاحياته الواسعة غير المسموح بمراقبتها حكومياً، تُعدّ قضماً لسلطات رئيس الوزراء المباشرة، وسلوك الرئيس جلال الطالباني القومي والمتعارض مع المصالح الوطنية كموضوع إسرائيل، وتأييد بقاء القوات الأجنبية علناً، كان اختباراً وإحراجاً للمالكي أمام داعميه.
وسلوك البارزاني عسكرياً ينطوي على إفشال منظَّم لجهود المالكي كقائد أعلى للقوات المسلحة؛ أما جماعة الحكيم فقد أغاروا على الصدريين بمساعدة حكومية بغية افتراسهم. ولم يكن أمام المالكي خيار آخر: إذا لم يمنح المفترسين ما يتلهّون به، لافترسوه.
لكن هذا الضغط الرهيب،المتعدد الجهات، الخماسي الأضلاع، من الأميركيين، ومن حلفائه في الحكومة (الحكيم والأكراد)، ومن حلفائه في الائتلاف (الفضيلة والصدر)، ومن منافسيه في حزبه (الجعفري)، ومن منافسيه داخل مجموعته الخاصة، إضافة إلى ضغط الواقع وضغط الجماعات الخارجة على السلطة، كان مصدر خير للمالكي كشخص، وفق قاعدة ربّ ضارة نافعة؛ فقد أرغم المالكي على أن يهمل إهمالاً تاماً الشأن الوطني والاجتماعي (نصف الوزارات بلا وزراء. مزاد علني!) وأن يتجه بقوة خارقة لإثبات حقه في البقاء، حتى غدا بقاؤه ومجموعته الخاصة قضية حياة أو موت.
إنّ الحاكم المحلي في العراق يشبه التمثال الحجري، يُنحت نحتاً، والمزاج العراقي إزميل موهوب يجيد نحت الطغاة.
حينما جاء المالكي إلى السلطة جاءها ضعيفاً، هزيلاً، بفارق صوت واحد، لكنه أتى وهو يحفظ عن ظهر قلب درس غريمه الجعفري جيداً: ستة أشهر، لا أكثر!
(عبارة «ستة أشهر»، لمن لا يعرف، موجودة في نص قانون الدولة).
لذلك عمل المالكي فور تولّيه الحكم، بحماسة وهمّة، في مسار محدَّد وثابت، هو حماية دوره الفردي كحاكم وتقويته، على حساب دوره الحزبي، مستنداً إلى قوتين، الأولى: الجهاز العسكري، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع عدده إلى أكثر من نصف مليون عن طريق الاستعانة ببقايا الجيش «المنحل»، وتعبئة القوى القبلية وحتى التحالف المؤقت مع المليشيات و«الصحوات».

الأسرار، المقدّمات، الدوافع والنتائجإشارة الخطر الحاسمة التي استلمتها القيادة الكردية جاءت حينما تقدمت القوات العراقية باتجاه الموصل.
ظلت القوات العراقية تتجحفل علناً أشهراً عدة، لكنها لم تتمكن من دخول الموصل. وقد أثار وقوف الجيش الطويل على أبواب الموصل تساؤلات كثيرين، وخاصة قادة الجيش أنفسهم، الذين أعلنوا غير مرة أن الهجوم العسكري الكبير سيبدأ بعد يوم أو يومين. لكن الهجوم لم يبدأكانت نقطة الصدام الجوهرية التي لم تُعلن هي عدم موافقة القيادات الكردية على انتشار القوات العراقية المسلحة في الموصل كلها، وحصر انتشارها في أماكن محددة. لأن انتشار القوات العراقية في سهل نينوى يمزّق تماماً حلم قيام البرزخ الكردي الموصل إلى سنجار والحدود السورية، أي يمزق حلم استكمال الشكل الجغرافي للدولة الكردية التوسعية في المدى البعيد، ويقلص حجم المكاسب الانتخابية التي يجنيها الحزبان العرقيان في المدى القريب، علماً بأن الحزبين الكرديين لا يجدان منافساً قوياً هنا من العرب والتركمان الشيعة سوى التيار الصدري، الذي يُراد تحاصصه من الجميع. لكن شروط القيادات الكردية لم ترق للعسكريين الميدانيين، لأسباب فنية خالصة لا سياسية. كان رأي العسكريين يتحدد في نقطة واحدة: الانتشار الناقص ربما يضع القوات المقتحمة أمام احتمالات قاتلة. كانت تلك إشارة جوابية عظيمة الدلالة، تلقّاها فريق المالكي وفهم منها أنّ المالكي أمام احتمالين قاتلين لا ثالث لهما: إما العدول عن الحملة كلها والاعتراف العلني بالنصر التام للقادة الأكراد، كمسيّرين فعليّين يحتكرون إدارة حركة الواقع السياسي، أو الدخول في معركة غير مضمونة النتائج، قد تقوده إلى فقدان جزء جدّي من قواه ومن رهاناته، التي ستجعله لعبة طيعة في أيدي القيادات الكردية أيضاً. لذلك حرنت القوات العراقية عند أبواب الموصل وعلى عتباتها. كانت القوات تفكّر، وكان المالكي يتحسس رقبته.
لكن هذا الانتظار، أو القلق بتعبير أدق، لم يدم طويلاً.
جاءت المفاجأة الكبرى في غير موضعها وزمنها. بغتة، ومن دون إعداد أو إنذار، انتقل الهجوم بكامل زخمه إلى البصرة، من غير توقع، وحتى من دون تنسيق ميداني على الأرض مع القوات «الحليفة» البريطانية، في عملية استعراض دموية، بالغة القسوة والإثارة.
جاءت عملية البصرة، أو «صولة الفرسان»، قبيل مؤتمري بروكسل والكويت بأيام. حتى أن المجتمعين في «فحيحيل» كانوا يسمعون دوي الانفجارات ويرون برك الدم بأعينهم المجردة. وفي المؤتمر الأخير، أعلن المالكي والناطق باسمه علي الدباغ أن المالكي أثبت للجميع أنه «غير منحاز طائفياً»، أمّا دليلهما القاطع على ذلك، فهو الذبح الجماعي والبربري الذي أحدثه في البصرة، وما رافقه من تحشيد إعلامي متلفز. لكن ردود الفعل الباردة التي تلقاها المالكي كانت صدمة عنيفة له، غير متوقعة، بعد كل ذلك الدم المجاني. فقد صمّ المجتمعون في الكويت آذانهم عن أصوات المدافع والطائرات، التي كانت تحرق البيوت في عملية ذبح جماعية بربرية، استخدم فيها المالكي الدم بدلاً من السياسة لاستدرار عطف الضاغطين الأجانب، المتعطشين إلى حد الهوس إلى شرب الدم والنفط العراقيين.
كانت صدمة المالكي سبباً أساسياً في توجيه الجيش إلى مدينة الصدر مصحوباً بقسوة مضاعفة، ليثبت فيها هناك، بدليل أقوى، أنه قطع بحق الخيوط التي تربطه بمن أسماهم «الخارجين على القانون»، الذين اعتمد عليهم سابقاً في وصوله إلى سدة الحكم، وليثبت لمنافسيه أنه فُطم واجتاز مرحلة الرضاعة، وبات قادراً على إدارة شؤون نفسه بنفسه.
لهذا السبب، شدّد المالكي مجدداً في رسالته إلى مؤتمر استوكهولم على تأكيد هذا الدور قائلاً: «إن العراق التزم بالبنود التي وقّعها في وثيقة العهد، وإنه ينتظر إيفاء المجتمع الدولي بتعهداته». وأضاف في كلمة افتتاح المؤتمر «إنّ العنف تراجع في العراق بنسبة 80 في المئة مقارنة بعام 2006» و«إننا أصبحنا أكثر ثقة بالنصر وأكثر ثقة بالنفس».
إن التعهّد بالالتزامات (تنفيذ الشروط)، والنصر (العسكري)، والثقة بالنفس، هي مكوّنات استراتيجيّة المالكي الجوهرية للبقاء في الحكم.
استطاعت عمليات بغداد والبصرة والديوانية، ثم الكوت وميسان، رغم بشاعة بعضها وطابعها التنكيلي والابتزازي، أن تفرض سلطة الدولة على الشارع. وقد أثبت الواقع أن السلطة كانت قادرة منذ وقت طويل على فعل ذلك، لكنها كانت تتغذى وتعتاش على قوة الميليشيات، وأنها لم تكن سوى شريك في تقاسم عنف الشارع، بما فيه تقاسم إرهاب الشوارع وإجرامها؛ فكل شيء كان يحصل بعلمها ومعرفتها أو تحت رقابتها، الذي يعني أنها المسؤول الأول والأخير قانونياً عن كل قتيلة وقتيل، وعن كل سرقة لم يُحاسب مرتكبها.
حينما فرغ المالكي من الوسط والجنوب، بدأت أنظاره تتجه مجدداً نحو الموصل، لكن حملته اصطدمت مرة ثانية بقرار القيادة الكردية الحاسم، المسنود من تيار الحكيم، القاضي بعدم السماح للقوات العراقية «الغريبة» (كلمة غريبة مأخوذة من نص قانون الدولة) بالانتشار في الموصل كلها، مما دفع المالكي إلى تسيير حملة استعراضية، سقط فيها من «عصابات القاعدة» أقل مما أحدثته قنبلة واحدة من مئات القنابل التي ألقتها الطائرات الأميركية على البيوت البائسة في مدينة الصدر.
فشلُ خطة الموصل والأثر المعنوي العظيم الذي أحدثه «اختفاء» المظاهر المسلَّحة في الجنوب والفرات الأوسط وبغداد، وتمركز ما يقرب من نصف مليون مقاتل في يد المالكي أغراه على التقدم شمالاً، لغرض فك الحصار عن بغداد وعن نفسه؛ وهي خطوة سياسية وعسكرية وأمنية كان يجب أن يقوم بها قبل ميسان والبصرة والموصل، لأن ديالى هي مفتاح الأمن في العاصمة، والعاصمة هي مفتاح الأمان لرئيس حكومة لا يُسمح له بالتجوال في شوارعها.
بيد أن تقدّم الجيش باتجاه ديالى يتطلب حدوث تماس مباشر مع قوات البشمركة، التي تطوّق شمال العاصمة في مناطق خانقين وقره تبة والسعدية. وهي عنق الموصل إلى نقطة الصدام الكبرى: كركوك.
من هنا، بدأ سباق القادة الأكراد مع المالكي، سباق اللحظة الأخيرة، الذي انطلق في مجلس النواب في هيئة تنافس سياسي وبرلماني دستوري وإعلامي؛ لكنه كان، في جوهره، سباقاً عسكرياً خالصاً. فمن يملك الساحة العسكرية هو من يقدر على إملاء شروطه. هذا الدرس البليغ، الذي تعلمه المالكي من البارزاني وأجاد استخدامه، وضع القادة الأكراد أمام خيارات مرّة: إن القبول بتقدم القوات العراقية باتجاه ديالى وصلاح الدين سيتبعه بالضروة تقدم باتجاه كركوك والموصل، وفي وقت لاحق سيتبعه دفع قوات البشمركة إلى الحدود، لممارسة دورها وواجبها المهني والفني المعترف به وطنياً ودستورياً، القاضي بحراسة أطراف العراق الشمالية والشمالية الشرقية وحمايتها والدفاع عنها، بما في ذلك الاستشهاد في سبيل منع اختراقها من أية قوة أجنبية، سواء كانت حكومية أو غير حكومية.
وما هو مخجل هنا، في هذه القضية الشائكة، هو إصرار جميع الأطراف على إخفاء الحقائق عن الشعب، حتى هذه اللحظة. إنّ الأسباب الحقيقية لرفض البشمركة الانسحاب من ديالى، وأسباب ذهاب القادة الأكراد إلى أميركا نجدها في اتفاقيات التحالف التي وقّعها السياسيون الحاكمون، والتي رفعوها زوراً إلى منزلة الدستور. من هنا نرى أن رفض البشمركة الانسحاب من ديالى لم يكن اعتباطياً، بل كان يستند إلى أسس دستورية زائفة، ولكنها للأسف متفق عليها من جميع الساسة الذين شاركوا في حكم العراق. وللاطّلاع عليها يتوجّب علينا العودة إلى قانون بريمر (قانون إدارة الدولة) لعام 2004، الذي يرسم بدقّة بالغة خريطة انتشار قوّات البشمركة، كما جاء في نصّ مادته 53:
«(أ) ـــ يعترف بحكومة إقليم كردستان بصفتها الحكومة الرسمية للأراضي التي كانت تديرها الحكومة المذكورة في 19 آذار 2003 الواقعة في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية وكركوك وديالى ونينوى.
إن مصطلح «حكومة إقليم كردستان» الوارد في هذا القانون يعني المجلس الوطني الكردستاني. ومجلس وزراء كردستان والسلطة الإقليمية في إقليم كردستان». إلا أنّ اضطراب الأوضاع الأمنية دفع بالقوات الكردية إلى مناطق جديدة في بغداد والفلوجة، ووصلت في حملة «صولة الفرسان» إلى البصرة، باعتراف القيادات الكردية نفسها. إن الانتشار العسكري للمليشيات الكردية حصل بغطاء شرعي حكومي وبموافقة صامتة من السياسيين العراقيين. لذلك ترى القيادات الكردية أنها أخذت على حين غرة، وأن ما حدث يخالف المعاهدات المشتركة التي ألزموا أنفسهم بها بالاتفاق مع الأميركيين. وهذا ما أسماه البارزاني بـ«الانقلاب» القذر.
عنصر جوهري آخر لعب دوراً حاسماً في إثارة القيادة الكردية واستفزازها، هو خشية هذه القيادة من فقدان الحليف الدولي، ممثلاً بالحزب الجمهوري الأميركي. فقد أثار افتضاح بنود الاتفاقية الأميركية الشعب العراقي بأسره، الذي أبدى رغبة قوية في انسحاب القوات الأجنيبة؛ وقد تضاعف تأثير هذا العامل بظهور عنصر جديد في المعادلة السياسية الأميركية، ممثلاً بمشروع أوباما، غير المحبّذ لإبرام أية اتفاقية تنطوي على التزامات مالية وعسكرية مقبلة.
كانت تلك الأسباب هي التي دفعت القيادة الكردية إلى تفجير الأزمة علناً واعتبارها «كسر عظم»! وكانوا على صواب مطلق. كانت معركة كسر عظم، عظم العراق أو عظم من يعجّل بتقسيمه وتدمير وحدته.
في هذه المرحلة، انتقل القادة الأكراد من تهديد رؤساء الحكومات إلى تهديد مجلس الشعب بأكمله: «صار لزاماً علينا» إعادة ترتيب التحالفات، كما يقول محمود عثمان، لتخويف النواب وليّ أذرعهم. أما مسعود البارزاني فيرسم صورة النهاية المرتقبة بوضوح تام، قبل بدء الخلاف، لذلك يقول في برنامج «الحرة تقدم»: «إذا لم تنفّذ المادة 140، فسوف تقع حرب أهلية حقيقية».
ما الذي نستخلصه من هذا كله؟ أثبتت أزمة كركوك أن العراق بلد محتل عسكرياً من القوات الكردية، إضافة إلى الاحتلال الأساسي الأميركي، والهيمنة الإيرانية السياسية والأمنية. وأن القرار السياسي في العراق مرهون بمعادلات السلاح، لا بالكلمات السياسية، لأن السياسة ليست أكثر من واجهة لفظية لصراع السلاح والقوة. وهناك من يرى أبعد من هذا، معتقداً أن النجاح الأميركي المؤقت في إدارة الصومال عسكرياً من طريق استئجار الجيش الأثيوبي، ربما يغري القادة الأميركيين بتطبيق المبدأ ذاته في العراق على يد البشمركة. لهذا يهدّد أحد نواب الكتلة الكردية زملاءه من الكتل الأخرى قائلاً: «إن قوات البشمركة هي التي تحرس مجلس الشعب»، فالمعركة العسكرية الآن تدور بالسلاح الأبيض في أروقة مجلس الشعب! ويؤيده في تهديده قائد قوات البشمركة التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني حينما يشرك، في تصريح لصحيفة «آسو» الكردية، حتى الله في احتلال العراق: «إن بناء قواعد عسكرية أميركية في كردستان فضل من الله».
ففي وطن قيد التقسيم، تجري عسكرة اللغة والأحلام والأماني، وتصاغ المعادلات السياسية كلها، بما فيها التهديد والترغيب والتمني والتصويت، عسكرياً.
أثبتت أزمة كركوك أن أكثر الحمقى في السياسة العراقية هم الذين يعتقدون أن القادة الأكراد يسعون إلى الانفصال عن العراق وتكوين دولتهم المستقلة. هؤلاء أغبياء بامتياز. إن القادة الأكراد لا يحتاجون إلى الانفصال عن العراق لكي يكوّنوا لهم دولة. لأنهم يملكون الآن دولة أكثر تماسكاً وقوة من الدولة المركزية، دولة بعلم ورئيس ووزارة خارجية وجيش واتفاقيات أجنبية وقواعد عسكرية وسجون ومطارات، وهي المقوّمات الشرطيّة الأساسية لقيام الدول. لذلك هم لا يحتاجون إلى انفصال لكي يقيموا دولتهم، لأنهم يملكون دولة حقيقية قائمة في قلب الخريطة العراقية. ومن لا يرَها فهو إما متواطئ في الجريمة أو جاهل.
أما الأزمة التي أثاروها، وسيكرّرون إثارتها قريباً، فهي جولة قتال من أجل تحديد حجم هذه الدولة ومساحتها الجغرافية ومقدار هيمنتها على ما بقي من دولة العراق الممزقة.
إنّ المشكلة التي يعانيها الأكراد الآن لا تتمثل في عدم وجود دولة مستقلة لهم، على العكس من هذا تماماً، إنهم يعانون معاناة قاسية من أزمة وجود هذه الدولة وشدة ضغط هذا «الوجود» عليهم نفسياً وسياسياً واجتماعياً. وبهذا الصدد يقول محمود عثمان نقلاً عن شبكة أخبار العراق «إنّ وجود جيش عراقي مستقبلاً سيضعف الأكراد، وسيخرجون بدون فوائد من الحكومة». فكلما تطور بناء مركزية الدولة العراقية يغدو «وجود» الدولة الكردية وتكامل مقوّماتها التدريجي والسريع عنصر صدام وتعارض مع وجود الدولة المركزية غير المستقلة وغير المستقرة. فلا يمكن لدولتين أن توجدا في كيان سيادي واحد. هذا أمر محال في قوانين السياسة كلها. هنا تلتقي رغبة قادة الميليشيات الكرد ومصالح العسكريين الأميركيين، المؤيدين لبقاء قوات الاحتلال، وهنا يكمن سرّ حماسة القادة الأكراد للاتفاقية الأمنية العسكرية، وعلى رأسهم برهم صالح، الوريث المرتقب لرئاسة الجمهورية، الذي يسعى إلى تأمين مصدر داخلي للقوة (القواعد العسكرية) يعوّض بها القوة السياسية والحزبية، التي تمتع بها الطالباني.
إن القيادة الكردية تدرك إدراكاً تاماً أنها في سبيلها إلى فقدان دولتها كلما استقر الوضع الأمني في العراق، وكلما ضعفت سيطرة المليشيات. وربما ليس هناك من هو أصدق من البارزاني في تأكيد هذا الأمر. يقول البارزاني في تصريح مقدم إلى إذاعة «صوت أميركا» الناطقة باللغة الكردية في 10 آب 2006 «إن حكومة مركزية قوية لن تقوم في العراق بعد الآن».
إنّ العراق كيان يعيش حالة هيمنة مركّبة: دولية، وإقليمية وعرقية.
إنّ النضال من أجل استقلال العراق يتضمّن النضال من أجل التحرر من سيطرة الحكام الشوفينيّين الأكراد وتهذيب دوافعهم العرقية إنسانياً ووطنياً، كمدخل رئيسي لبسط سيطرة الدولة على أراضيها وثرواتها واستعادة سيادتها الوطنية وإقامة دولة المواطنة، على أنقاض دولة الطائفة والعرق.
* كاتب عراقي