strong>بعد الآلات الحاسبة المشفّرة والـ«روشيتات» ورسائل الهاتف والبلوتوث، نوع آخر من غش الامتحانات الرسمية يشارك فيه الطلاب وأهاليهم وجهات أخرى


محمد محسن
تردّد جاد قبل الحديث عن تجربته، فالقصة خطيرة كما يقول، و«لا أريد لأحد أن يعرف بها قبل أن أنجح في الاقتصاد والاجتماع. القصة وما فيها أنّ والدي أقنع ابن الجيران بالتقديم عنّي مقابل مبلغ ألف دولار إذا نجح». احتار ابن الجيران كثيراً قبل أن يوافق، فالمسألة ليست سهلة، وهي توقعه بمشكلات كثيرة إذا ما افتضح أمرها، كانتحال الصفة والعقوبات التي تجرّها. لكن الخيار رسا في النهاية على القبول، فاستلم خمسمئة دولار مقدّماً والخمسمئة المتبقية فور صدور النتائج. المهمة اكتملت السبت الماضي، مع انتهاء امتحانات الشهادة المذكورة. يصف ابن الجيران شعوره عندما سلّم المسابقة الأخيرة بالـ«مريح جداً»، لأنّ أياً من المراقبين لم يستطع كشفه. أما سبب عدم قدرة المراقبين على كشف الأمر فيتوضح سريعاً بمجرد معرفة طريقة التزوير التي اعتمدت، فقد زوّر والد جاد إخراج قيد باسم ابنه، ولكن بصورة ابن الجيران، وهو أمر يستحيل أن يلتفت إليه المراقبون. ينتظر ابن الجيران النتائج، ولا يعير اعتباراً للشأن الأخلاقي، على اعتبار أنه غير جاهز لاغتنام الفرصة إذا ما رفضها.
«تاخد أربعمية دولار؟». لا يوحي السؤال بأنّ من طرحه يقدّم إعانة خيرية. فوجئ حسن بالعرض، لكن الصدمة سرعان ما تلاشت عندما عرف المقابل. كان على حسن أن يقدّم امتحانات الدورة الثانية عن مالك بعدما يُنهي عامه الأول في كلية العلوم. ينفي مالك أن يكون لأهله علاقة بالأمر، لكنه يقع بين مطرقة طموحه في أن يصبح صاحب مصلحة لأنّ «الشهادة ما إلا قيمة»، وسندان أهله الراغبين بنيله شهادة ولو من مستوى الثانوية العامة، كي «يوظفوني في السلك العسكري برتبة لائقة». انسحب حسن من الموضوع بسلاسة، حيث تذرع بأنه سيتجه للعمل فوراً بعد إنهاء امتحاناته الجامعية، وأنّ وقته لن يسمح له، واللافت أنّه وعد مالك بتأمين البديل.
لم يختلف راغب كثيراً عن حسن في رفضه هذا النوع من عمليات الغش. فالطرح لم يكن عملاً بل «فتوى سألت بها وتبيّن لي أن هذا الأمر حرام شرعاً». أبلغ الشاب الملتزم دينياً والد التلميذ بقرار الرفض، معللاً ذلك بالسبب نفسه، أي الفتوى التي تحرّم هذا العمل. يروي راغب أنّه كان سبباً في إرجاع الوالد عن قراره، وتحفيز ابنه على تقديم الامتحانات، لكن الأوان قد فات بالنسبة إلى التلميذ الذي نال الشهادة المتوسطة بهذه الطريقة، ونشأ على كلمات «فاشل وما بيطلع من أمرك شي».
نزولاً نحو الشهادة المتوسطة، لم يوفق هاني في البداية بمن يقدّم عنه الامتحانات، فقد رفض أهل زميله المتفوّق عرضاً بقيمة خمسمئة دولار مقابل «شهادة بريفيه ينالها في الدورة الثانية». فراح أهل هاني يبحثون عمن يقبل بهذه المهمة، ووجدوه بعد الاستعانة بقريب لهم هو أيضاً خبير بهذه الأمور. «فمنفذ العملية» ينتقل إلى الصف الثانوي الثاني، لكن العوز المادي دفعه إلى القبول بهذا الأمر، «ما دامت كتجربة السنة الماضية». تعتمد التجربة على الطريقة نفسها التي اعتمدها جاد، من تزوير للأوراق الثبوتية والصور، ما يعطي اطمئناناً للمخالف، و«المصريات مضمونين والنجاح كمان».
تستند حالات الغش بمجملها إلى فشل الطلاب في دراستهم، ورغبة الأهل في نجاح أبنائهم ولو «زوراً». الأمر ربما يرتبط بمحبّة تقف عند كثير من حدود العقد الاجتماعية، وتتنازل لها على حساب مصالح الولد وشخصيته. كان مالك مبتهجاً بشهادة سيحصل عليها، إلاّ أنّه تحدث عن فشل «ساهم فيه أهلي وسيوّلد عندي عقدة نقص».