حرمت الظروف القاسية بعض الطلاب متابعة تحصيلهم العلمي، فاستبدل بعضهم أحلامهم الأكاديمية بتجارة آبائهم نهائياً، وعملوا على تطويرها بما يتمتعون من حس المسؤولية، بينما يحن بعضهم الآخر إلى كتب الدراسة الأولى، ويطمحون إلى بناء مستقبلهم بأنفسهم


أحمد محسن

كثيراً ما حلم حسّان حيدر بأن يصبح مهندساً ميكانيكياً، ليشبع شغفه بالسيارات وأسرارها. الأحلام بدأت مع حسان منذ كان طالباً في التاسع أساسي، فحدّد خياراته وأطلع أباه عليها، فـ«أحبها واحترمها»، حتى إنّ حسّان يذكر ابتسامة والده العريضة وتشجيعه الدائم. لم يمض زمن طويل حتى وجد حسّان نفسه يمد «خطوط الستالايت» من سطحٍ إلى سطح. كان الوقت يسمح له أحياناً بأن يهتم بدروسه اليومية، إلا أنّ سطوح المباني أخذت الحيز الأكبر من وقته القليل، بسبب تضاعف رغبة الوالد في أن يبقى حسان إلى جانبه، لكثرة طلبات الزبائن. حاول الابن جاهداً أن يحافظ على مواعيد الدراسة أثناء امتحانات الثانوية العامة في السنة ما قبل الماضية لكنّ جهوده لم تكن كافية. وحصل الأمر نفسه في العام الماضي، أما في هذا العام، فاستسلم حسان لحتمية العمل، وأفرغ محتويات حقيبته المدرسية من الكتب، ليدس في داخلها ما تسنى من «عدّة العمل»، ويرضخ لـ«الأمر الواقع».
لا يخفي حسّان استياءه من حاله، لكنّه لا يلوم والده كثيراً فيقول «إنّه أبي»، ويبتسم مبدياً انزعاجه من قراره بعدم الترشح لخوض الامتحانات هذا العام، ثم يعود ويسأل بألم: «ما الفائدة؟». والفائدة صارت هنا ملاصقةً للوقت والمردود المادي في ذهنية حسّان الجديدة.
لا يختلف الأمر بالنسبة إلى المتخرّج من كلية العلوم في الجامعة اللبنانية محمود حمد، فابن الثالثة والعشرين ينكب اليوم على إدارة محل والده لبيع الأدوات الصحية والبويا، ويجد في ذلك متعة يسهل ملاحظتها في أثناء قيامه بعمله. رغم افتخاره بشهادته يعترف محمود بأنه يفّضل ملازمة مصلحة أبيه في منطقة الجناح، لكون ذلك يدر مدخولاً أفضل، و«أمور العمل قابلة للتطور»، وخصوصاً أنّ إدارته لشؤون المحل بشكلٍ مباشر تشعره بحس المسؤولية العالية، ويردف أنّه في فترة من الفترات فكر جدياً في أكثر من مهنة أخرى، قد يكون التعليم أبرزها والأكثر وفرةً في سوق العمل، بيد أنّه وجد في متجر أبيه مكاناً يتسع لأحلام أكبر، فاستبدل الرغبة في الماجستر برغبة مادية بحتة، تتمثل بتطور عمله التجاري، و«الإبقاء على ما بناه والده بعد جهد جهيد».
أما أحمد، فيملك تجربة مختلفة تماماً، قبل عشرة أعوام توفي والده إثر نوبة قلبية مفاجئة، وهو أخ لثلاث شقيقات متزوجات، وأم مريضة لا تستطيع العمل. تضاعف شعور أحمد بالرجولة في مرحلة حساسة، فقد كان أنهى الصف الثانوي الأول ويستعد لبلورة رغباته الجامعية في إطارها الصحيح، لكن لدى وفاة والده، انتهت رغباته في لحظة واحدة: فقد قرر إدارة محل والده بنفسه. يروي أصدقاء أحمد ومنهم دارين (25 عاماً) أنّه كان متفوقاً جداً في دراسته، حتى إنّ دارين تصفه ممازحة بـ«الشاب الأكثر تفّوقاً في رأس النبع»، لكنّ أحمد اليوم بلغ عامه الثامن والعشرين، ورمى وراءه كل الطموحات العلمية السابقة، حتى الرغبات التي كان مشغولاً في تنظيمها نسيها تماماً. تأخذ التجارة الحيز الأكبر من تفكير أحمد، فيما تقّدم للزواج بإحدى الفتيات، ما يدل على مضيه في مسيرة جديدة، لا يملك التحصيل الأكاديمي مكاناً فيها. يبدي الجيران القريبون من منزله إعجاباً مميزاً بشخصيته القوية، ويشدّدون على براعته في تسيير أمور مصلحته، التي تختص بالأدوات المنزلية، وبعضهم يرى أنّ «الظروف ظلمته كثيراً».
أما أحمد، فيؤكد عدم ندمه على الإطلاق، ويصرّ على أنّه اتخذ القرار الصائب، و«لا بد من متابعة الحياة كما ينبغي»، يؤكد بثقة. الثقة تترسخ جلياً في ملامح علي عبد الكريم ( 19سنة)، الذي لا يبالي كثيراً بنتائج الشهادة الرسمية، لأنّه في النهاية سيعمل مع أبيه في تجارة الأدوية، وأبوه يشجعه على هذا.
في أيام مراهقته الأولى، لم يترك علي شيئاً يهرب من مخيّلته، فتمنى أن يصبح موظفاً في بنك، أو صانع ألعاب في فريق كرة قدم محلي، تمنى كل شيء، وعُرف بين أصدقائه بذكائه الشديد، لكن الوضع الاقتصادي أشعره باليأس فقرر أن يلتزم العمل مع أقرب الناس إليه، حتى يكون المستقبل مضموناً، بعدما أقفلت الظروف كل أمل في وجهه، الأمر الذي يوافقه عليه طلاب آخرون، مثل علي سعد (21 عاماً) الذي يتابع تحصيله العلمي قبل الظهر في الجامعة اللبنانية الدولية، ويعود بعد الظهر ليهتم بمحل الملابس الذي يملكه أبوه في محلة حي السلم، ويقول إنّ العلم ضروري لـ«إثبات الذات أولاً»، كما أنّ شهادة العلوم التجارية لا بد من أن تكون مفيدة له في عمله المستقبلي الذي يتوقع ازدهاره.
يعترف علي بأنّ وضعه ساعده بينما ظلمت الظروف آخرين على اختلاف مراحلهم العمرية، لكنه يلفت النظر إلى تقاعس شبّان كثر عن متابعة علومهم الأكاديمية واتكالهم على ما بناه آباؤهم، فيسأل: «ماذا قدّم هؤلاء إلى أنفسهم والمجتمع ؟».
نهشت البطالة عظام المجتمع اللبناني، وحجمها المخيف ليس إلا حافزاً للشبّان كي يلتحقوا بآبائهم باكراً، لعلهم ينجون من ندرة الوظائف المتاحة، ويسهم في ذلك إصرار بعض الآباء على مصادرة حرية أبنائهم في اختيار مستقبلهم بأنفسهم.



عائلة مالديني
خطا اللاعب الإيطالي باولو مالديني على خطى أبيه اللاعب السابق في ميلان ومدرّب منتخب إيطاليا تشيزاري مالديني. وقد فاز باولو كوالده بدوري الأبطال مع فريق ميلان الذي لم يلعب مع سواه، كما يعد ابنه كريستيان (10 سنوات) لخلافته في المستقبل.