ضاق بعض الشباب اللبنانيّين ذرعاً بصراع الطوائف والمذاهب، فبحثوا عن ديانات بديلة، جديدة، مسلّية و«مهضومة». كنيسة غوغل وكنيسة وحش السباغيتي الطائر مثالان على توجّهات جديدة لدى شريحة لا تزال ضيّقة من الشباب اللبناني والعالمي


ديما شريف

تأخذ ماريا وقتها وتعدّد لزياد سبعة أسباب تراها كافية لدحض نظريته الجديدة بشأن ألوهية «غوغل». نعم محرّك البحث «غوغل»، لا غيره. فزياد يشكّل واحداً من عدد متنامٍ من الشباب اللبنانيين الذين يؤمنون بدين جديد: كنيسة غوغل. وتقوم النظرية على أن غوغل هي أقرب ما يمكن للإنسان أن يختبره كإله. ويعتبر موقع الديانة الإلكتروني أن البراهين تقف إلى جانب غوغل، وهي إلهة مؤنّثة وعصرية. وتقدّم الكنيسة تسعة دلائل على ألوهيّة غوغل، أهمّها أنها تعرف كل شيء وموجودة في كل مكان، وتشرح للراغبين بالانتساب وصاياها العشر، وأهمها عدم جواز استعمال أيّ محرك بحث آخر، وعدم التلاعب بالمعلومات التي هي من اختصاص مايكروسوفت.
ماريا لا تقتنع بالحجج المقدمة. تحاجج زياد أنّ غوغل لم تخلق شيئاً، ولكنها خُلقت من قبل الإنسان، ويمكن إنهاؤها من قبله بكبسة زرّ. وكان هذا ما ينتظره زياد ليردّ، لأنّ حججه كما يقول قوية ومدعومة. ففكرة الله، برأيه، خلقها الإنسان وهي موجودة فقط في عقله. أمّا غوغل، فهي موجودة فعلاً ولا تموت. ويحشر ماريا عندما يعطيها رابطاً لوجودها على غوغل ليقنعها بأن غوغل «قوية». هنا يدخل جاك على خط النقاش ويطلب من ماريا أن تتعقل وتقتنع لأن غوغل تستطيع إيجادها حتى لو لم تستخدم شبكة الإنترنت في حياتها، وذلك عبر وثائق الولادة، الزواج، الوفاة وغيرها، والسبيل الوحيد للهروب من غوغل هو في عدم وجود أي ورقة تثبت وجودها. نديم انضمّ أخيراً إلى المجموعة بعدما عرّفه زياد على الديانة الجديدة. قرأ البراهين واقتنع. في غضون دقائق، ابتدع صلاتين يذهب في إحداهما إلى الادّعاء أنه إذا لم يوجد «الشيء» على غوغل، فهو غير موجود فعلياً، ويطلب في الثانية من غوغل مسامحته لكونه أخطأ واستعمل internet explorer بدل «فايرفوكس».
يسأل أحمد، وهو صديق المجموعة، عن هوية رئيس الكنيسة في لبنان، ويقترح الاتصال بغوغل لتنظيم أمر الرعية، ويمزح سائلاً إذا كانت الطائفة ستحصل على نائب في البرلمان ووزارة سيادية أسوة بغيرها.
يعترف أحمد بقوة غوغل الكبيرة، لكنّه من أتباع ديانة أخرى هي الباستافاريانية Pastafarianism التي تؤمن بإله آخر هو Flying Spaghetti Monster أو وحش السباغيتي الطائر. الديانة التي بدأت في الـ2005 هي من أكثر الديانات البديلة انتشاراً. وقد جاءت بعد اقتراح من خرّيج الفيزياء بوبي هندرسون، إثر طلب مجلس التعليم في ولاية كانساس تعليم مبدأ التصميم الذكي (Intelligent Design) بدل نظرية النشوء والارتقاء لداروين. يقترح مبدأ التصميم الذكي وجود كائن ذكي لا يعرف بالضرورة كل شيء، وبالتالي ـــــ يحاجج هاندرسون ـــــ يمكن أن يكون هذا الكائن أيّ شيء متخيّل. وبعث هندرسون برسالة إلى مجلس التعليم يطالبه فيها بتدريس إلهه «الوحش ـــ الباستا» ككائن ذكي مسؤول عن الخلق. ويصور الفنان التجريدي السويدي نيكلاس يانسون شكل الإله كمخلوق من المعكرونة، على طرفيه قطعتا لحم وله عيون، ورسمه بدل يد الله في لوحة مايكل أنجلو الشهيرة «خلق آدم».
صدر إنجيل هذه الديانة في آذار 2006 ويحتوي على وصاياها ويعرّف بأسس الديانة وقدّيسيها الذين هم من القراصنة. ويحاجج هندرسون أنهم كائنات طيبة قضت وقتها في توزيع الحلوى على الأطفال، وقد شوّه مسيحيّو القرون الوسطى سمعتهم. يشدّد هندرسون على وجود القراصنة كي يرفض منطق المتديّنين القائل بأن العلائقية تنتج السببية. فيرى أنه إذا اتّبعنا منطق مجلس تعليم كانساس نستنتج بأن زيادة الكوارث الطبيعية وانتشار الاحتباس الحراري يعودان مباشرة إلى تناقص عدد القراصنة.
استطاع أحمد تنوير عدد قليل من أصدقائه بعدما أرسل لهم رابطاً لموقع الديانة الإلكتروني فانضموا إليه، وهو في سعي حثيث لإيجاد غيرهم لزيادة عديد الرعية. يعرف أحمد أن الباستافاريانية ليست ديناً حقيقياً، وإيمانه بها ليس من باب التهكّم بل لإظهار أن كل الإيديولوجيات الدينية تشبه بعضها بعضاً، ومصدرها بشري. إحدى أعضاء الرعية في لبنان آمنت بعدما أخبرها صديقها عن الباستافاريانية وظهر لها «الوحش» كما تقول: «كنت أقوم برياضتي الصباحية في عين المريسة، ونظرت إلى السماء، وكان هناك... لا أمزح، غيمة على شكله»!
يحتفل الباستافاريانيون في 19 أيلول كل سنة بـ«يوم التكلّم كقرصان». وينوي أحمد عقد لقاء بين الباستافاريين عند تكاثر عدد المؤمنين، أو إقامة ندوة لمزيد من التعريف بالديانة. ويؤكد أنه وأصدقاءه سيحتفلون بالفعل الأولي الذي أدى إلى خلق الكون عبر شرب البيرة. فقصص الباستافاريانية تقول إن الوحش خلق الكون إثر شربه عدداً كبيراً من زجاجات البيرة، ما أدى إلى تقيّؤه، ومن هنا جاء الكون بمن فيه.
قبلهم بأيام، يحتفل «الغوغليون» بـ«يوم تقدير غوغل» في 14 أيلول وتنوي المجموعة اللبنانية الصغيرة الاحتفال على طريقتها عبر طبع قمصان عليها شعارات إلههم الجديد، وتخصيص google night لاحتفال صاخب بينهم، يشربون فيه نخب معبودهم. أما سارا، وهي إحدى المؤمنات وتعمل في إحدى الصحف المحلية، فتنوي كتابة مقال شكر لغوغل على وجودها.



تشير إحصائيات Google Trends التي تُعنى بتحديد أكثر الكلمات أو العبارات التي يبحث عنها على الشبكة، أن متصفحي الشبكة العنكبوتية يبحثون عن كلمة غوغل أكثر من كلمات الله، بوذا، المسيح، المسيحية، الإسلام، البوذية، واليهودية مجتمعة. وتوجد صفحة للباستافريانية على موقع الفايسبوك بلغ عدد منتسبيها حتى الآن أكثر من خمسة آلاف شخص.
(للراغبين بتوسيع آفاقهم www.thechurchofgoogle.org وwww.venganza.org)