مرجعيون ــ كامل جابر

ثمة خصال رائعة لم يتمكن المرض والتعب والجحود من محوها في ذات الطبيب «المرجعيوني» خير الله ماضي؛ نظافة كفّ ذاك الشاب اليساري اللون وتفانيه في مداواة آلام الفقراء وجراحهم، وحتى الميسورون، غير ممتهن جمع الثروة؛ بل جعلت من صفحته النضالية بيضاء لا يشوبها تردد.وإخلاصه لمهنته التي لم تقف سداً منيعاً لتدافع عن قيمه، يوم أراد له البعض أن «يتأرجح» خلف أقفاص بعض المحاكم العسكرية ليدافع عن موقفه في إدارة المستشفى الحكومي في مرجعيون، إذ يوم وقعت مرجعيون تحت سيطرة الاحتلال المباشر، كان الطبيب «الأوفى» أمام خيارين أفضلهما أشد مرارة على طينة طبيب الفقراء خير الله ماضي وعجينته، كما يعرفه الجميع: «فإما التخلي عن مهماته الإنسانية والطبية وترك ناسه في مهب إرادة المحتل، وهذا ليس من شيمه؛ أو مواصلة الخيار الصعب في إدارته مطأطئاً أمام حاجة المحتاجين رافعاً الجبين في مواجهة عدوه، في أن المستشفى لنا ولن نتخلى عنه».
غداة التحرير كان أمامه خياران: إما التخلي ثانية عن مهمته الإنسانية في بقاء المستشفى مفتوحاً من أجل الفقراء الذين ينتظرون بلهفة غوث القوات الدولية التي لم تستفق من سباتها نحوهم، حتى بعد ثماني سنوات من التحرير، والكل يعرف أو لم ينس بعد قضية مستشفى مرجعيون؛ فيما باشر البعض ينسج أثواباً زائفة ليركب على التناقضات «زعيماً» لموقع إنساني ينهار يوماً تلو يوم. أو اختيار آخر يقضي ببقائه في موقعه برغم المرارة والألم.
ولأنه صمد، فتحت له ملفات لا تليق بالطبيب المعروف عن ظهر قلب؛ فشاغله البعض بقضايا ومحاكم، فيما تسلل المرض في لحظات انشغاله في الدفاع عن كرامته وعنفوانه وقضيته الأولى والأخيرة: الناس، إذ بات يشعر بأن من يحاكمه، كأنما يحاكم الناس الشرفاء. حتى تمكن المرض منه وهو الطبيب المحترف في مكافحة العلّة.
حزينة مرجعيون كانت أمس وهي تشيعه نحو راحته، التي جعل لها وصية متواضعة لم ترد حتى في مماته أن تكلف الصحب والأقارب مشقة الجنّاز، وحدها أصوات بعض المقاومين الذين أسعفهم وأنقذهم يوم الاحتلال تحت جنح الليل والسرّ المميت، رتلوا حول مدفنه قداس الوفاء للراحل العظيم.