إبراهيم الأمين

عندما وصل إلى العبارة ــــ الرسالة، رفع أنطوان زهرا من نبرته، وقال في جمع من القواتيين :لا تصدّقوهم، إنهم يفتعلون انتصارات وهمية. وحدها القوات اللبنانية تدافع عن الوجود المسيحي في لبنان والشرق الأوسط.
ثمة ما يبرر هذا الانفعال، وربما ما هو أشد منه إذا انتهت التشكيلة الحكومية على تمثيل لا يناسب طموحات سمير جعجع غير الواقعية. لكن الأهم في الأمر ليس الموقف الذي يمكن اتخاذه في لحظة من هذا النوع، بل المبادرة باتجاه فعل يجعل الموقف من النوع الوازن، القادر على فرض معطيات ووقائع وتغيير في المعادلات، ما يعني أن على جعجع أن يسير على الدرب نفسها التي سار عليها العماد ميشال عون، حتى يمكنه أن يلعب الدور نفسه في وضع الشروط تلو الشروط، ويصل إلى ما يراه مناسباً أو مرضياً أو الأقرب إلى حقوقه. لكن المشكلة لا تتلخّص فقط في الموقف الشخصي، ولا بالتشخيص السياسي، بل في القدرة على تحمّل تبعات الموقف، وفي الاستقلالية التي تتيح له مواجهة الأقوياء. وأكثر من ذلك، فإن الأمر يتصل بالحلفاء. وفي هذه النقطة بالتحديد، لا يمكن لجعجع أن يصارح أنصاره ولا جمهوره بحقيقة الوضع، لأنه يصعب عليه شرح المعادلة الآتية: حسن نصر الله ونبيه بري يتخلّيان عن حقائب، ويتوقفان عن المفاوضات، ويهددان بالانسحاب من الحكومة، ويضغطان على فريق الأكثرية من أجل ضمان الحصول على موافقة عون. وفي المقابل، يتنافس سعد الحريري ووليد جنبلاط على حقيبة الأشغال العامة والنقل المفترض أنها من حصة حليفهما الآخر محمد الصفدي، وهما يعتبران أن جعجع يبالغ في قدراته، وبالتالي في مطالبه. أما فؤاد السنيورة، فيضطر، آسفاً، إلى أن ينتظر سجالات تجري من هنا وهناك، وهو الذي يعرف أن خروج القوات اللبنانية من الحكومة لا يمثّل الخطر الذي كان يمثّله خطر انسحاب العماد عون، أو الذي يمثّله، ولو بصورة غير مباشرة، انسحاب محمد الصفدي فيما لو سحبت حقيبة الأشغال منه.
لنعد إلى الدائرة الأضيق. فجعجع يواجه أزمات متنوعة، لا بسبب تخلّي حلفائه المسلمين عنه، بل في خلافاته القوية مع شركائه المسيحيين في فريق 14 آذار. ومرة جديدة تحلو المقارنة: يطلب العماد عون من الوزير السابق سليمان فرنجية أن يكون حاضراً في الحكومة، ويرفض الأخير، ويبلغ إلى من يمكن أن يستعين بهم عون لإقناعه، أي من حزب الله، أنه لا يريد الدخول في الحكومة، وأنه مستعد للقيام بكل جهد، وهو فعل ذلك مع الرئيس ميشال سليمان، وداخل إطار المعارضة نفسها، لأجل تسهيل حصول عون على مطالبه، فيما تنتظر نايلة معوض جواب مجلس قيادة القوات على طلب انتسابها المتأخّر إلى «القوات»، ما يتيح لها البقاء في الحكومة، هي أو نجلها ميشال، ولو جرى احتسابها على «القوات اللبنانية». أما بقايا «قرنة شهوان» فهم يعرفون أن «القوات» باتت تمثّل العبء المبكر بالنسبة إلى الانتخابات النيابية المقبلة، ومع ذلك فهم يسألون عن سبب إقصائهم. من الثلاثي المرح (سمير فرنجية وفارس سعيد ومنصور غانم البون) الذي يريد أن يتمثل بالبون، فيما بطرس حرب يقف بعيداً، متحسراً على ثلاث سنوات أضاعها في كتلة تفتقر إلى الصدقية والوفاء. أما من بقي، فهم من الذين اختفت كل أخبارهم حتى الاجتماعية منها (بالمناسبة أين هو نسيب لحود الآن؟) إلى الذين يفتشون عن سلالم إما لينزلوا بواسطتها عن أشجار ثورة الأرز، وإما ليصعدوا بواسطتها إلى الحافلات الانتخابية.
ثم ماذا عن واقع الحال بين «القوات اللبنانية» والكتائب. من البترون حيث المعركة احتدمت مبكراً بسبب الخلافات على الترشيحات الانتخابية للدورة المقبلة، وصولاً إلى زحلة التي يرى «القواتيون» أن اختيار رئيس إقليم الكتائب فيها لمقعد وزاري إنما هو ترشيح للنيابة بطريقة تفرض على «القوات» الانحسار لمصلحة الكتائب، وخصوصاً أن هناك من يهمس في أذن الناخبين من فريق 14 آذار، بأن من واجبهم المساعدة على التعويض للكتائب عن خسارتها الكبيرة التي تمثّلت بشهيدين من نوابها في العامين الماضيين، وأحدهما (النائب الراحل أنطوان غانم) كان في دائرة بعبدا التي يصعب خوض معركة متوازنة فيها بمواجهة تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله والمعارضين من الدروز. كذلك هناك معركة بيروت التي يبدو أن في «القوات» من لا يريد الترحيب كثيراً بفكرة ترشيح نديم بشير الجميل عن المقعد الماروني الذي تشغله والدته الآن، لأن في ذلك ما يكرّس هذا الموقع للكتائب أو لورثة العائلة، فيما ترى القوات أن جمهورها هو الأقوى في هذه المنطقة، وربما لا تكون هي قادرة على تعبئتهم بقوة إذا كانت هي غائبة تماماً عن الانتخابات.
بعد ذلك، هناك هواجس قواتية من نوع خاص في عدد من المناطق، مثل الكورة وبشري، حيث يمكن لها أن تحصد مقاعد نيابية، لكنها ستكون هذه المرة غير مدعومة بالكتل السنّية التي أتاحت لها أرقاماً تفوق ما تتخيّله هذه المجموعة التي اشتهرت بلعبة الدم في هذه المنطقة. كذلك فإن الجدال القائم بقوة الآن في الأوساط الإسلامية في الشمال، بما فيها تلك المناصرة للحريري، تنطلق من السؤال عن «عائدات التضحيات والدعم الذي قدم للقوات اللبنانية شمالاً، وخصوصاً أنه لم يعد أحد في طرابلس أو غيرها بإمكانه السؤال عن الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري (لم يعد الشعار موجوداً إلا على لافتات تحتاج إلى الصيانة في أكثر من منطقة) فيما تجري التغطية والدعم لقاتل رئيس الوزراء الراحل رشيد كرامي.
مرة جديدة، يبدو الفريق المسيحي في 14 آذار، وعلى رأسه «القوات اللبنانية»، أمام معضلة الحضور الطبيعي في البلاد، من حيث الشكل والحجم والمضمون. وها هو ميشال عون «يلعبها صح» في اللحظة المناسبة، ويعيد خلط الأوراق، رامياً بكرة النار في حضن هؤلاء، عسى أن يجدوا حلاً، قبل الانتقال إلى المعركة الأقسى المتمثّلة في النقطة الثالثة من نصّ اتفاق الدوحة وهي المتعلقة بإقرار قانون الانتخاب بصيغته الجديدة!