طرابلس ـ عبد الكافي الصمد

وهذا التزاحم الخدماتي (تقديمات صحية، تربوية، اجتماعية، عينية، تعويضات وغيرها) بين ميقاتي وتيار المستقبل لم يقتصر على مدينة طرابلس وحدها، بل امتد إلى مناطق شمالية أخرى، وتحديداً قضاء المنية ـــــ الضنية، إذ يهدف الرئيس ميقاتي إلى تحقيق مكاسب سياسية مهمة، وهو ما بات تيار المستقبل يحسب له ألف حساب.
ويشير مراقبون إلى أن «نقاط قوة ميقاتي في مواجهة تيار المستقبل لا تكمن فقط في أنه يمتلك قدرات مالية كبيرة، لعلها باتت تفوق قدرات آل الحريري، بل لأنه يخوض المعركة بالأصالة عن نفسه وعن أهالي المدينة والمنطقة، بينما يخوضها الآخرون بالوكالة عن النائب سعد الحريري وتيار المستقبل، وقرارهم السياسي والمالي محصور في قريطم، وليس ملك يمينهم».
في المقابل، يدرك مسؤولو المستقبل في طرابلس والشمال صعوبة المعركة الانتخابية المقبلة، وأنه لن يكون بمقدورهم مع حلفائهم اكتساح المقاعد النيابية الـ28 في الشمال، كما حدث في انتخابات عام 2005، وأن ذلك أصبح من الماضي، والبقاء على القمة أصعب من الوصول إليها، وخصوصاً بعد تبدّل الظروف، سواء لناحية الوضع السياسي العام، أو إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، أو الغموض الذي لا يزال يكتنف التحالفات الانتخابية.
غير أن ذلك لم يدفع مسؤولي تيار المستقبل إلى إلقاء أسلحتهم رغم أنهم يعرفون أن أيّاماً صعبة بانتظارهم، وأن خصومهم الأقربين منهم والأبعدين، يحضرون لهم مفاجآت وسينافسونهم بقوة في مناطق يعتبرونها معاقل لهم، فعملوا على شحذ هممهم وتفعيل نشاطهم، واضعين خططاً سريعة لإبقاء التواصل قائماً مع جمهورهم، في انتظار الخطط والبرامج الانتخابية المعدّة لكل منطقة، والتي بدأ وضعها في أروقة قصر قريطم على نار حامية.
ويعرف مسؤولو تيّار المستقبل أنهم يمتلكون أسلحة جيدة لإدارة المعركة الانتخابية ومواجهة الرئيس ميقاتي وغيره بأساليب ناجعة (خلال انتخابات مجالس طلبة كليات الجامعة اللبنانية في الشمال مطلع العام الجاري، التي تواجه فيها الطرفان، اتهم مناصرو المستقبل مناصري ميقاتي بأنهم واجهة النظام السوري في لبنان)، شرط استخدامهم الذكي لهذه الأسلحة، وهو أمر لم يكن محل ارتياح واطمئنان كاملين في ضوء جردة حساب الأعوام الثلاثة الماضية.
في المقابل، يدرك ميقاتي أن تيار المستقبل يتحسّب له بشكل جدّي ويعدّه المنافس الأبرز له، وفي حال تحالفهما في الانتخابات المقبلة لن يرضى ميقاتي بحصة تقل عن حصة المستقبل، سواء في طرابلس أو المنية ـــــ الضنية، وسيصرّ على أن تكون له كلمة في تسمية بعض نواب عكار، فضلاً عن تأثيره المتصاعد مالياً وسياسياً على الأقليات السنيّة في أقضية زغرتا والكورة والبترون، وهو تأثير سيجعل ميقاتي «بيضة القبان» في انتخابات الشمال المقبلة، وإن بصورة متفاوتة بين دائرة وأخرى.
على هذا الأساس يدرك المستقبل أن تعاطيه مع ميقاتي في المرحلة المقبلة محكوم بخيارات مُرّة. فالتحالف معه سيكون استسلاماً له وتسليماً بحجمه السياسي الذي سيقتطع عبره جزءاً من حصة المستقبل، في طرابلس وخارجها؛ وأن مواجهته لن تكون رابحة، وستستنزف الطرفين وخصوصاً إذا تحالف ميقاتي مع خصوم المستقبل من سائر قوى المعارضة، أو بعض القوى الأخرى المحسوبة اليوم في صفوف الموالاة أو المقربة منها، والتي تنتظر اللحظة المناسبة لتتخذ خيارها الانتخابي، والسياسي الأخير.
تسود صفوف المستقبل «أمنية» عدم تحالف ميقاتي ضده مع سائر الخصوم، على تنوعهم، وسوف يعمل أركانه على عرقلة تحالف كهذا، وإلى ذلك الحين يبقى التسابق الخدماتي بين الطرفين هو العنوان الأبرز... لحسن حظ المواطنين.