جان عزيز

سئل مرة محسن دلول: لماذا ابتعدت عن وليد جنبلاط، بعدما كنت أحد أبرز القريبين من والده الراحل كمال بيك؟ فأجاب السياسي العريق والصحافي العتيق: لم أبتعد عنه ولم أختلف معه. كل المسألة أن علاقتنا بلغت في مرحلة معينة موضع الظلم المتبادل. فأنا ظلمت وليد جنبلاط حين أردته أن يكون مثل أبيه، وهو ظلمني حين أراد أن أكون مثل الذين تحلّقوا حوله بعد رحيل والده. ولم ينقض عمق تلك الإجابة ودلالاتها العامة، حول الأشخاص والأجيال وذهنيات الأصدقاء وطبائع الوارثين. مرة جديدة، وبفارق أكثر من عقد، قيل إن دلول وجد نفسه أمام الجواب عينه في علاقته مع سعد الدين الحريري.
المعاناة الصامتة نفسها، يحكى أن جان عبيد عاشها أيضاً مع نجلي صديقيه الكبيرين الراحلين. ويحكى أنه عبّر عنها بنوعٍ من الوجد والبوح الذاتيين لا أكثر، متحصّناً بكبره وبعض المكابرة، ما يشي بأن العلّة قد لا تكون في الأشخاص وحسب، بل ثمّة جذر لها أكثر بنيوية، يعود إلى معادلة التعامل بين جيلين، أو بين من كان مساوياً لرجل، ليجد نفسه مضطراً بعد حين إلى أن يكون غير مساوٍ لصغيره، وخصوصاً متى ما كان لصفة «الصغير» أكثر من معنى الابن أو الولد.
على هامش استشارات التأليف والتكليف الحكوميين، باتت ظاهرة أخرى مماثلة في القياس المنطقي على الأقل، وإن كانت مغايرة في طبيعة الأشخاص وعلائقهم. إذ لم تكن مصادفة أن تشهد تلك المناسبة ظهور صولانج الجميّل، ونايلة معوّض، وبهيج طبارة، كلّ بمفرده، علماً بأن المنطق السياسي الأوّلي كان يفترض أن تكون النائبة الجميّل ممثّلة لحزب الكتائب، وأن تكون الوزيرة والنائبة معوّض من ضمن كتلة نواب زغرتا أو مجموعة نواب «لقاء قرنة شهوان» السابق، وأن يكون النائب بهيج طبارة مع كتلة نواب «تيار المستقبل». لكن حقائق أخرى حتّمت على ما يبدو هذه «الفردانيات» الثلاث.
ولفهم الرابط بين تلك الحقائق، لا بد من الإشارة سريعاً إلى أن بهيج طبارة قد يصحّ فيه قياس ما حُكي عن تجربتَي دلول وعبيد. لكن الأهم والأكثر، أنه يعبّر ــــ كما يقال ــــ عن تمايز السيدة نازك الحريري، أرملة رئيس الحكومة الراحل. وهو تمايز كُتب عنه الكثير، بالاستناد إلى وثائق المواقف والتصاريح الصادرة عن السيدة الغائبة المغيّبة، من حرب تموز إلى حرب بيروت، ومن حوادث مار مخايل إلى مخاطبتها السيد حسن نصر الله... سلسلة من التظهيرات السياسية لكيانية مستقلة حرصت عليها ساكنة القصر المفجوع.
في كلام السياسة وصالوناتها والحسابات، ثمّة تفسيرات كثيرة لمواقف السيدات الثلاث، من زاوية المقاربة الأحادية البعد والسطح. كأن يقال مثلاً إن الجميّل يحرّكها حرصها على الحفاظ على مقعدها النيابي، في ظل همس حول طموح رئيس «حزبها» وشقيق زوجها إلى شغله، كما في ظل تطلّع خليفة شهيدها في القوات اللبنانية، إلى احتلال المقعد نفسه. هكذا اضطرت نائبة بيروت المارونية، بين أمين الجميّل وسمير جعجع، إلى إعلان استقلاليتها على «خط بشير»، لتحفظ لنفسها ولنجلها، ربما، حق المنافسة على المقعد... هكذا يقال.
ويقال أيضاً إن معوّض باتت عبئاً على حلفائها. فهناك من يفكر بالانتقال إلى مقعد طرابلس المضمون. وهناك من قد يعمل على إعادة فتح الخطوط المقطوعة، وفق ما يقتضيه قانون القضاء. هكذا اضطرت نائبة زغرتا ووزيرتها إلى المثول في بعبدا وساحة النجمة وحيدة، مدللة على قدرتها على المناورة ربما، كما على كيانها القائم بذاته... هكذا يقال.
ويقال أيضاً وأيضاً إن الحريري السيدة، قد تفكر من الآن فصاعداً بالخروج من دائرة العمل الخيري البحت، إلى رحاب أكثر قدرة على المنفعة والمصلحة العامتين. وبمعزل عمّا إذا كان لهذا الاحتمال أن يتجسّد بشخص الحريري أو بواسطة أحد أبنائها، يظل ثابتاً أن مثل هذه الخطوة يفترض أن يفسح لها من فضاء العائلة السياسي، ومن فضاء الابن تحديداً... هكذا يقال.
لكن خلف هذه الحسابات، تظل قاعدة كامنة أكثر قدرة على التعميم والتعميق. فليست مصادفة أن تكون السيدات الثلاث أرملات لرؤساء ثلاثة، سقطوا بالعنف، ومثّلوا حقبات في حياتهم والغياب.
ماذا لو فكّرت نائبة بيروت بأنه لولا بشير ودمه، لما كان لكل خلفائه وأنسبائه موقع وحق ومقعد؟ وماذا لو فكّرت نائبة زغرتا، أنه لولا رينيه والغدر الذي لحق به، لما كان طائف ولا من يطوفون بحثاً عن دور أو لقب؟ وماذا لو فكّرت سيدة قريطم الوحيدة، بأنه لولا دم رفيقها، لما كان لأي من سكان القصر موطئ قدم لا في بيروت ولا في لبنان؟
حق للأرملات أن يفكرن وأن يعانين، وأن يشدّهنّ الوفاء والبقاء، إلى قراءة مغايرة لديموقراطيتنا الخاصة جداً. فحين يكون وطن برمته قائماً على مفهوم «البيوتات»، العريق منها والحديث النعمة، المعلن صراحة بألقاب الأمراء والبكوات والمشايخ، أو المقنّع بأحزاب أكثر عائلية من البيوتات... حين يكون الميثاق السياسي كذلك، من يفرض إذاً سوق الإرث والإمامة في ناحية أو أخرى؟
مأساة أرملات الجمهورية؟ بل مأساة جمهورية أرملة لديموقراطيتها، منذ كانت جمهورية.