strong>في الطابق الأول من بناية في وسط مدينة جونية، يلتقي 15 شاباً وصبية يومياً في محاولة لتعويض ما فاتهم في المنزل والمدرسة والمجتمع من مهارات ومن عناية عاطفية خاصة. يجمع هؤلاء نوعٌ من التأخّر العقلي ويساعدهم المشغل على حلّ مشاكلهم النفسية واكتساب مهارات تعزّز ثقتهم بأنفسهم


عمر حبيب
كانت ريتا مرفوضة في «كورال» قريتها، وكان الآخرون يهزأون منها، ما سبب لها معاناة نفسية. تغير الأمر عندما انتسبت إلى مشغل تربوي سرعان ما تقبلت نفسها فيه. فقد جرى تمثيل مشكلتها على المسرح، وأدى أصدقاؤها الجدد دور أفراد الكورال. وهكذا، بعد البكاء العلني والصراخ، استطاعت أن تتخطى الموضوع مخرجة من خلال المسرح كلّ ما كانت تخفيه من مشاعر.
هذا واحد من نشاطات متعددة يوفرها المشغل التربوي السلوكي، الذي يشرف عليه الدكتور جورج أفرام البستاني: «يستقبل المشغل أصحاب الحاجات الخاصة ممن تتراوح درجة ذكائهم ما بين 60 و75، على أن يتمتعوا بحدّ أدنى من الاكتفاء الذاتي».
تتراوح أعمار الشبان والفتيات بين 15 و25 عاماً، وهم غير قادرين على متابعة النشاطات المدرسية العادية بفعل ضعف في المنطق وفي كفايات عقلية تتصل باكتساب مهارات كتلك المتعلقة بعلم الحساب مثلاً. وما يزيد أزمتهم الأساسية تعقيداً، كما يقول بستاني، هو «عدم الوعي في مجتمعنا الذي يعزل أفراده المحتاجين إلى عناية خاصة، فيجري تهميشهم، تماماً كما يحصل مع أصحاب الحاجات الخاصة الجسدية».

أفكار مسبقة

وعمّا يدفع الأهل إلى إرسال أولادهم إلى المشغل، يقول بستاني: «يكون هؤلاء عبئاً على الأهل، خصوصاً الأم؛ لا يستطيعون متابعة الدراسة، فتشعر الأم بالذنب لكونها أنجبت ولداً «غير سويّ»، وخصوصاً بنظر الرجل وعائلته. يولّد ذلك تعاطياً قمعياً مع الولد، وصراعاً داخلياً لدى الأم بين حبّها لولدها والضغط المحيط بها. وكما في كل المجالات، يكون العبء أكبر لدى الطبقات الفقيرة، فيما تقوم الطبقات الغنية بتخصيص من يهتم بالولد، ولو كان من غير أصحاب الاختصاص ولا يفيده في شيء، بل يستر المشكلة ويريح الأهل».
مديرة المشغل، كلير سرياني تصف حالة هؤلاء الشبان والفتيات عند وصولهم: «يأتون مع مشاكل كثيرة، منها الخوف وعدم الثقة بالنفس وكبت للعدائية الطبيعية التي تساعدنا عادة على الدفاع عن أنفسنا والانزواء الذي يؤدي إلى عدم إقامة أي علاقة مع الخارج. كما نشاهد في بعض الحالات التي لا تتجاوز العشرة في المئة نشاطاً زائداً وعدائية قد تصل إلى محاولة أذية الآخرين».
إضافةً إلى مديرة المشغل والمشرف عليه، يعمل مع الأولاد تسعة منشطين متطوعين متخصصين في التربية وعلم النفس.

الحب هو الأساس
الفكرة التي انطلق منها تأسيس المشغل خلق مساحة يعبّر فيها الشخص عن نفسه، فيشعر بأنه مقبول من دون وجود أحكام تحطم شخصيته. ويرى القيّمون أن المؤسسات التربوية عموماً تزيل العبء عن الأهل؛ تأخذ الولد وتتصرف معه بحرّية تامة فتصل الأمور إلى تعنيفه جسدياً ونفسياً، وفي أحسن الأحوال يكون التعامل معه من خلال الابتزاز العاطفي.
الحبّ هو الأساس، يكرّر بستاني «وعلى مانح الرعاية إشعار الولد بأنه هو نفسه سعيد، وعليه أن يكون سعيداً بالفعل. وأحب أن أقول هنا إنني سعيد للغاية خلال وجودي وعملي معهم. هي لحظات من الصدق والطبيعية والحبّ. العلاقة معهم مصدر فرح، لأنك تعيش معهم خارج التركيبة المألوفة. ويمكنك أن تنمّي لديهم قدرات لا تستطيع تنميتها مع الآخرين. هم أشخاص «خام»، وأرى أنهم مرجع للعلاقات الإنسانية السوية. والدليل على ذلك أن لديهم إبداعاً على صعيد الأمور غير المصلحية ـــــ المادية، كالرسم والموسيقى والتعبير عن الحب».

الأهل شركاء ضروريونلورا، المنشّطة في المشغل، تقول: «أحياناً يحصل تغيير لا يصدق خلال ثلاثة أيام. هادي لم يكن يتعاطى مع الآخرين. حين وصل إلى هنا، لم يكلمنا، بل ظلّ وجهه صوب الجدار، ولم ينظر إلينا. أما اليوم، فمن الصعوبة إسكاته».

نشاطات

أما النشاطات التي يقوم بها فريق المشغل، فتقوم على الحبّ والتقبّل، ما يفتح الباب أمام تحسين السلوك فيسهل التعامل مع الآخرين. ومن هذه النشاطات «صف محادثة» بحضور اختصاصي نفسي، يجري خلاله تشجيع الشبان والفتيات على سرد تجاربهم، ثم تُعقَد مناقشة عامة.
كما تحصل أحياناً نزاعات بينهم، فيجري البحث عن السبب بشكل جماعي، ويجري تدريبهم على حلّ النزاعات، كتلك الناتجة من الغيرة، فتتم مقاربتها من خلال مواجهة صادقة بين الطرفين.
نشاط آخر محبّب لدى الجميع، وخصوصاً لدى القيّم عليه الدكتور بستاني، هو المسرح الدرامي كعلاج نفسي. عند حصول خلاف بين اثنين، تجري «مسرحة» الخلاف. يصل بهم الأمر أحياناً إلى حدّ البكاء أثناء التمثيل. يُسهم ذلك في إخراج الشحنات العاطفية المتلازمة مع الخلاف. يفهمون الآخر، ويتفهمون.
وللرقص دور علاجي أساسي. ماري ـــــ سول تدرّبهم على الرقص، أو تجعلهم «يتعرفون إلى أجسادهم وإلى الإيقاع الموجود أصلاً في الكون، فيعبّرون عن مشاعرهم ويتحررون»، كما تقول. تلك فتاة مثلاً لم تكن تخرج من غرفتها قط. كانت تعيش وحيدة في عالم مغلق. الآن تغيّرت علاقاتها مع نفسها ومع جسدها. صارت حرة. صارت ترقص بشكل جميل وصارت تحبّ نفسها. طفت لديها على السطح «الرغبة في إعجاب الآخرين».
أما الرياضة في المشغل، فتمارين قائمة على التناسق بين أعضاء الجسم وحسن استعمال العضلات، لا تقويتها بالضرورة.
ويخبرنا «نزلاء المشغل» أنهم يعشقون الرحلات. «نذهب جميعاً بالأوتوكار إلى أماكن مختلفة وجميلة، في الطبيعة أو أي مكان آخر. ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر...». والهدف من الرحلات، بحسب سرياني، هو تمكينهم من التفاعل مع مكان غير مقر المشغل؛ يعيشون تجربة جديدة في مكان جديد. والفرق شاسع بين الرحلة الأولى التي قمنا بها والرحلة الأخيرة: في المرة الأولى ظلوا متجمعين، وكأنهم خائفون. أما الآن، فباتوا يختلطون بالناس. باتوا سعداء.
ومرّة في الأسبوع، يقوم أصدقاؤنا بإعداد الطعام معاً وبتناوله معاً. لحظة سعادة إضافية.

صعوبات

ينتبه القيّمون على المشغل أولاً إلى الفروق بين الأولاد. ويؤكدون أن الهدف ليس جعلهم يشبهون «الأولاد العاديين»، بل تطوير ما هو جميل لديهم. والمضامين التربوية لكل واحد منهم هي ما يتناسب مع حاجاته. كما يحرص المشغل على منحهم مهنة أو صنعة تُسهم في استقلاليتهم المادية. تقوم المجموعة مثلاً بتصنيع الحلويات وبيعها، ما يمنح الجميع ثقة بالنفس، إضافة إلى المردود المادي. ومن المهارات المهنية التي يتعلمونها، العمل على النول، فيقوم بعضهم بصناعة سجادة صغيرة أو ما شابه. وتدربهم السيدة سعدى، من ذوق مصبح، وهي من الأشخاص القلائل الذين ما زالوا يجيدون استخدام هذه الآلة، على هذه المهارة.
أما الصعوبات التي تواجه المشغل، فهي انعدام الدعم المادي لهذا النوع من المشاريع، رسمياً كان أو خاصاً. و«يعيش» المشغل بفضل إسهام «مؤسسة الرعاية الصحية الاجتماعية» ـــــ فرع جونيه التي يتبع لها والتي تتكفل بمعظم المصاريف الكبرى، كبدل إيجار المكان الواسع الذي يحتضنه، وصيانته، والفواتير العادية العائدة له، إضافة إلى تطوّع المشرفين والمنشطين. وتبقى مصاريف كثيرة أخرى تتطلبها العناية بخمسة عشر إنساناً، لستّ ساعات يومياً، على مدار السنة.
الطلبات الجديدة كثيرة، لكن الوضع المادي لا يسمح، حتى الآن، بقبول أي منها، مع أن السعي اليوم هو لقبول عدد أكبر، وخصوصاً حالات أصعب.



صفّ محادثة

المنشّط: برأيكم، ما هي السرقة؟
ريتا: هي عندما يذهب الشخص إلى الدكان ويأخذ أغراضاً من دون أن يراه الدكّنجي.
جيسيكا: أو عندما يأخذ الشخص حقيبة امرأة بالقوة ويهرب.
سليمان: أو تهجم عصابة على بنك وتأخذ كلّ المال.
ماري: أنا أقول إنها عندما نأخذ الأغراض من عند الدكّنجي.
المنشّط: الأمثلة كلها صحيحة. ولماذا يسرق الناس؟
ميرا: البعض أشرار يحبّون الأذية.
جيسيكا: ولكن الفقراء يسرقون لإطعام عائلاتهم.
نوال: صحيح، هناك أشخاص لا يأكلون.
أنيس: أنا رأيت على التلفزيون أولاداً صغاراً في الشارع ولا يذهبون إلى المدرسة.
المنشّط: لماذا لا يعمل الفقراء فيكسبوا المال مثل غيرهم؟
ألان: أنا سمعت جارنا يقول إنه يعمل ولا يقبض شيئاً.
المنشط: ربما كان يقصد أنه لا يقبض الكثير...
ألان: لا، أنا أكيد، قال إن معاشه «لا شيء».
المنشط: إذن، يمكن القول إن السرقة أمر جيّد؟
جيسيكا: لا، هناك أشخاص أغنياء جداً وأشخاص لا يقبضون شيئاً. يجب أن يقبض الجميع.
ريتا: يجب أن يكفيهم المال وإلا فسيسرقون.
نوال: السرقة أمر سيئ. ما ذنب الدكنجي؟
المنشط: ما العمل إذن؟ يا جيسيكا، ما رأيك؟
جيسيكا: يجب أن يكون هناك عمل ومال للجميع. ومن يسرق بعد ذلك يكن شريراً.