الاستقلالية حلم سعى لتحقيقه في بلد يرى الكفيف «حرفاً ناقصاً»سنوات طويلة أمضاها حسن شكرون يعدّ الأيام ممارساً أموراً لا يحبها. درس التاريخ وهو يحلم بالرياضيات، وعمل موظف سنترال لكي لا يمدّ يده ويشحذ. نقطة التحوّل في حياته كانت مع تعرّفه إلى الكومبيوتر الذي فتحت له مهارته في استخدامه الكثير من الأبواب


بلال عبود
في شقته شبه الخالية من أيّ أثاث منزلي في منطقة الضناوي، يعيش الكفيف حسن شكرون يومياته وحيداً، باختياره، منذ عام 1996، لكي يثبت لنفسه قبل الآخرين أنّ فقدان البصر لا يعني العجز والاتكال على الآخرين. يروي «قصته»، كما يسمّيها، من دون تعقيدات أو «مصطلحات محرّمة». الواقع الذي يعيش فيه منذ الولادة لا يمثّل له أيّ إحراج «هذا أنا». يقول: «ولدت فاقداً نعمة البصر»، أما السبب فهو «نقص في الأوكسيجين عند الولادة» كما أخبره الأهل.
يختصر شكرون الحديث عن طفولته «ولد صغير أعمى، يعني كل يوم هو مشكلة بحد ذاته». هذا الطفل حفظ عبارتين، الأولى يرددها الناس المحيطون به «الله يعينه ويشفيه» والثانية تردّدها العائلة «الله يصبرنا على المصيبة». لم يكن باستطاعته التأقلم مع الأولاد «العاديين»، فاللعب غير ممكن، وهناك حاجة دائمة لرفيق «وهو ما كان يتجنبه الشخص الذي يقع عليه الاختيار ليكون رفيقي» فيتحول الضرير إلى منبوذ. نقطة التحول في حياة «الولد الكفيف» جاءت مع انتقاله إلى مدرسة داخلية لذوي الحاجات الخاصة «أصبحت بعيداً من البيت في الجنوب لأول مرة في حياتي»، حيث تعرّف إلى أشخاص في مثل حالته «وبدأت شخصيتي بالظهور». كما بدأ يختبر تجارب وانفعالات لم يعتدها من قبل «اللعب بحد ذاته كان شيئاً جديداً، وأصبحت أعرف معنى أن أكون سعيداًً مع أصدقاء ومعلّمين يفهمون وضعي وكيفية التعاطي معهتميُّز حسن في المواد العلمية، وخصوصاً في الرياضيات، لم يكن كافياً ليتابع تخصصه في هذا المجال «الذي كنت أفضّله»، بسبب عدم وجود معاهد متخصصة في تدريس المواد العلمية لفاقدي البصر «انتسبت إلى كلية الآداب ودرست التاريخ، ليس حباً به، بل من أجل الحصول على الإجازة». يصف السنوات التي أمضاها في الدراسة بالمملّة. بعد التخرّج عمل في الكلية نفسها بوظيفة في السنترال «كانت أصعب مرحلة في حياتي، لمدة عشر سنوات استمررت في وظيفة كانت تقتل طموحي كلّ يوم، لكني كنت مضطراً حتى لا أمدّ يدي لأحد».
استمرّت حياة حسن على هذا المنوال إلى حين وصلته «أقراص من أميركا عن أشخاص يستخدمون الكومبيوتر»، الأمر الذي كان مفاجئاً له «سمعت الكثير عن الكومبيوتر في تلك الفترة، لكنه كان بعيداً منّا». بعد فترة جاءت مؤسسة فرنسية إلى لبنان «لتعلّمنا على الحاسوب (الخاص بالمكفوفين)، وكانت تكلفته عالية جداً، 9000 دولار، فلم أحلم حتى بالحصول عليه».
حاول حسن مع أصدقائه إقناع المؤسسة بإعارتهم الجهاز ليتدربوا عليه، إلا أنهم لم يوافقوا، ولم يكن هناك أيّ مؤسسة تساعد الكفيف في الحصول على جهاز كمبيوتر، كما أنّ الدولة لا تقدم أيّ وسيلة مساعدة. رغبة حسن الكبيرة في التعرّف إلى هذا المجال الجديد دفعته لأن يشتري الحاسوب على نفقته الخاصة «لأجبر نفسي على التعلّم، وحتى لا أخسر نقطة الضوء هذه».
في تلك المرحلة كان عمل شكرون على الكومبيوتر محصوراً في إطار ضيّق من الطباعة، بالإضافة إلى أنه كان يترجم لأشخاص آخرين الألعاب الإنكليزية. بعد ذلك أرسل «فاكس» لأخيه في أميركا لكي يبحث له عن برنامج ناطق «أرسل لي برنامج «jaws» الذي يحوّل الأوامر وشرائط الأدوات في الكومبيوتر إلى أصوات بالإنكليزية فقط، هنا بدأت قصة جديدة في حياتي، وأصبحت أمضي أكثر من عشر ساعات يومياً على الكومبيوترلم يكتفِ حسن بما لديه، بل أصبح يراسل شركات البرامج عن أيّ تعديل يمكن أن يزيد من فعالية البرنامج «كان الحلم أن يكون هناك برنامج يقرأ العربية». ويشرح كيف بدأت الفكرة لإيجاد مثل هذا البرنامج «راسلت شركة صخر بشأن هذا الموضوع، وكان الجواب أننا نفكر في إنتاج برنامج ناطق» يضيف مبتسماً «ادعيت أني رئيس جمعية، وأني على استعداد لشراء 50 نسخة حتى يسرّعوا في إطلاق برنامجهم».
في عام 2001 أطلقت الشركة أوّل نسخة من برنامج إبصار الناطق بالعربية «وأرسلوا لي نسخة تجريبية لأقيّمه». بعد ذلك أصبحت الشركة تعتمد التقارير التقييمية التي يكتبها حسن لكل إصدار جديد قبل نزوله إلى الأسواق «أصبحت أخبر المكفوفين عن كيفية استخدام الحاسوب بمساعدة البرنامج» وهو اليوم وكيل لهذه الشركة في لبنان.
في عام 2000، طلبت الجامعة اللبنانية رؤساء دوائر من حاملي الإجازات، لكن المكفوف في لبنان لا يستطيع أن يتقدم إلى هذه الوظيفة، لأن القانون يشترط سلامة العقل والجسد، ويُعدّ فاقد البصر «غير سليم جسدياً». أصرّ حسن على أنه يستطيع القيام بكل الوظائف التي يتطلبها هذا المركز بالاعتماد على خبراته في الحاسوب، وعلى البرامج الناطقة، وتقدّم بطلبه وفاز في الامتحانات، ليصبح بذلك أوّل رئيس دائرة في لبنان من ذوي الحاجات الإضافية، حيث يعمل في مكتب توجيه الطلاب في الجامعة اللبنانية.
يؤكد حسن أن الكومبيوتر ليس وحده الحلّ، لكن مجموعة عناصر تساعد الكفيف ليحقق اندماجه في المجتمع وسوق العمل. «الإرادة الخاصة بالشخص ورغبته في المعرفة» من النقاط الأساسية، ولا يمكن إغفال دور الدولة والجمعيات في تأمين هذه الوسائط لفاقدي البصر أو غيرهم من ذوي الحاجات، فأسعار البرامج مرتفعة ولا يمكن نسخها أو تقليدها.
يصف حسن نفسه الأوّل في مجال الكومبيوتر في لبنان لدى المكفوفين، وهو يدرّب من هم في حالته على استخدام البرامج الناطقة «بدون أي مقابل»، ويتابع أوضاع أجهزة المكفوفين «إذا أراد أحدهم أي برنامج أو حتى القيام بعملية الـ«format» وغيرها، مما قد يحتاج إليه أي مستخدم للحاسوب». ولا ينحصر عمله مع ذوي الحاجات الخاصة «لديّ خبرة في صيانة أي جهازيتحدث عن إنجازاته بفخر وابتسامة «التكنولوجيا أعطتني الاستقلالية التي طالما حلمت بها»، كما يتمنى أن يصبح كل كفيف قادراً على الاستفادة من التقنيات الحديثة «يستغرب الكثير من الناس حولي أنني أحمل الكمبيوتر المحمول، لكن مع الوقت تعوّدوا، وأصبح الكثير منهم يطلب مني برنامجاً معيناً أو سؤالاً استيضاحياً لمشكلة يواجهها». يأخذ الإنترنت جزءاً كبيراً من الوقت الذي يستخدم فيه حسن الحاسوب «المحادثة والتعرّف إلى كل جديد وقراءة الجرائد»، بالإضافة إلى الطباعة «في الفوتوشوب فقط». الموسيقى لها معنى آخر في حياة حسن «فكلّ عملي هو على السمع، ومن الطبيعي أن يكون للموسيقى مكانة خاصة». لا يفضل نوعاً معيناً منها، إلا أنه ينحاز لكلّ ما هو قديم «مسرحيات زياد الرحباني من أكثر ما أحب الاستماع إليه»، وهي تشعره بأنه متساو مع الآخرين من محبّي زياد «فالجميع يشاهدها بأذنيه».



حساسية

ضد الشفقة
يتعرّض حسن لكثير من المواقف التي تزعجه، وخصوصاً أثناء تنقله بحافلات النقل العام «كأن يقول لي السائق لا تدفع أو يتعامل بشفقة معي». في الماضي كانت هذه الأمور تغضب حسن كثيراً وتظهر طبعه الحاد، لكنه مع الوقت أصبح يستخدم أسلوب عدم المبالاة. يذكر موقفاً محرجاً حصل معه «كنت في سيارة أجرة ودفعت للسائق عشرة آلاف ليرة وأعاد لي المبلغ المتبقي». خلال الطريق سأله السائق عن المكان الذي يريد الذهاب إليه تحديداً «لكنني اكتفيت بالقول قرب شركة السيارات»، وأمام إصرار السائق «الذي كان يريد أن يوصلني إلى وجهتي النهائية» ثار حسن بوجهه وانهال عليه بكلام قاس «أما الرجل فبقي صامتاً». عندما وصل إلى حيث يريد طلب عدّ النقود، واكتشف أن السائق لم يأخذ الأجرة بل أعاد النقود كاملة «شعرت عندها بأني سقطت من علو شاهق، وأني ظلمت الرجل»، ومنذ ذلك الوقت «خففت من حدّتي حتى لا أتعرّض لموقف مماثل».