قتَلة الرئيس حسن عثمان والمستشارين عماد شهاب ووليد هرموش والمحامي العام الاستئنافي القاضي عاصم أبو ضاهر ما زالوا مجهولين، فالتحقيق الجنائي بطيء. إذ لم تبذل الدولة المجهود الكافي لتحقيق العدالة رغم كون الضحايا جسد السلطة المسؤولة عن تحقيق العدالة. لكن مهما بطؤ التحقيق فلن يكون أبطأ من آلام عائلات شهداء القضاء


الجنوب ــ سوزان هاشم
تطفئ ذكرى اغتيال القضاة الأربعة في صيدا شمعتها التاسعة هذا العام، هذه الجريمة التي استهدفت الجسم القضائي في لبنان لتنال من قضاة تعذّر مساومتهم على مبادئ العدالة وحكم القانون، لم تحظَ بأي جديّة تذكر، فالتحقيقات لم تقدم حتى الآن أي حقائق ملموسة حول هوية الجناة الذين لا يزالون أحراراً يرزقون، فهل سيُدَشّن هذا العهد الجديد بإصلاحات قضائية من شأنها اعتماد الجدية في التحقيقات القضائية من أجل الوصول إلى الحقيقة بشأن الكثير من الملفات التي تعجّ بها أدراج المحاكم، ولا سيما قضية اغتيال القضاة الأربعة؟
يرحل محقّق عدلي ويأتي آخر والنتيجة تراوح مكانها، هذا هو حال ملف اغتيال القضاة الأربعة في صيدا؛ هذه الجريمة التي وقعت في وضح نهار الثلاثاء في 8 حزيران 1999، لتنال من أعضاء هيئة محكمة جنايات لبنان الجنوبي على قوس محكمتهم، لا يزال الغموض يكتنفها. فبعد أن تسلّم المحقق العدلي رشيد مزهر من خلفه المرحوم منيف عويدات ملف القضية لم يحرز المحقق الجديد تقدم جدّي في هذا الملف، بيد أنه قام أخيراً بتسطير استنابة قضائية إلى الأجهزة الأمنية للاستقصاء وجمع معلومات عن شخصين ومعرفة هويتهما، وعُلم أنهما ينتميان إلى تنظيم غير لبناني، كما توافرت معلومات تشير إلى أن منظمة فتح سلّمت إلى مديرية المخابرات في الجيش أحد المشتبه فيهم بتهمة الإرهاب، يقال إن علاقة تربطه بملف اغتيال القضاة الأربعة في صيدا.

الجريمة اللغز

«إذا توصّل العالم إلى حقيقة اغتيال الرئيس كينيدي، فهناك أمل بالوصول إلى حقيقة اغتيال القضاة الأربعة في صيدا»، هذا ما يراه الشيخ ماهر حمود، مردفاً بأن «الصدفة وحدها التي يمكن أن توصل إلى هوية الجناة»، مذكراً بملفات الاغتيال السابقة في تاريخ لبنان. ويقول ذلك بعدما دحضت المعلومات التي كان يملكها عن هذا الملف، والتي استقاها من الشهيد محمود المجذوب قبل استشهاده، فلقد تم «التحقيق» مع الشخص المشتبه فيه (وهو لبناني الجنسية) من قبل حمود واتضح أنه غير معنيّ بهذا الملف. ويشير حمود إلى أن هذه الجريمة ارتكبت من أجل ترهيب أهل جزين وذلك بعدما تزامنت وتحرير منطقة جزين من الاحتلال الإسرائيلي. فيما يرى رئيس التنظيم الشعبي الناصري النائب أسامة سعد أن هذه الجريمة جاءت بعدما كلّف رئيس المحكمة الشهيد حسن عثمان بالتحقيق في قضية محاولة اغتيال المرحوم مصطفى سعد، ويعتبر أن التحقيق في هذا الملف لم يحظَ بالجدية المطلوبة وأن كشف الجناة ليس مستحيلاً إذا أرادت السلطات اللبنانية ذلك، وينتقد سعد عناصر الحماية الأمنية حينها التي لم تكن تقدم دورها في حماية القضاة. ومن جهة أخرى، فإن السلطات اللبنانية لم تتوانَ عن اتهام «عصبة الأنصار» بضلوعها في الجريمة وذلك كردة فعل على الأحكام التي كانت قد صدرت بحقهم حينها، بيد أن «عصبة الأنصار» نفت ذلك.

مبنى ساقط أمنياً

شكّل مبنى قصر العدل القديم لقمة سائغة أمام القتلى، إذ لم تواجههم حينها أي عثرة في طريقهم لتنفيذ مخططهم، مستغلّين الثغر الأمنية التي تعتريه؛ فناهيك عن أن المبنى يقع على طرف الوسط التجاري في صيدا، ويلاصق موقف السيارات والباصات العمومية، فإن الحراسة الأمنية لم تكن كما يجب، وفي هذا الإطار يتحدث المحامي سالم سليم، الشهيد الحيّ الذي نجا من الجريمة «بأن مسلحَين دخلا من الجهة الخلفية للمبنى عبر موقف السيارت التابع له، ومن دون مواجهة أي عائق أمني قاما بفتح النار من مسدّسيهما الحربيين نحو داخل المحكمة عبر نافذتها». ويستغرب سليم هنا «كيف لمحكمة الجنايات أن يكون موقعها في الطابق الأرضي؟ ثم أين الحراسة الأمنية التي ينبغي أن تكون مؤمّنة عند مدخل الموقف؟»، كما إن هناك تقصيراً فادحاً من الجهات الأمنية بعد حصول الجريمة. إذ استطاع الجانيان أن يفرّا بسهولة تامة ويتواريا عن الأنظار دون أن يقعا تحت القبضة الأمنية. كما إن وسائل الإعلام كانت موجودة قبل وصول سيارات الإسعاف». ويشير سليم إلى أنه لم يتم استجوابه من قبل المحقق العدلي كشاهد في مسرح الجريمة، وقد بادر برفع دعوى ضد مجهول لتحصيل حقه الشخصي. وينتقد سليم الموقف الرسمي تجاه هذه القضية، ويقول «لولا نقابة المحامين «أمّ الصبيّ» لما كان حتى الاحتفال السنوي بذكرى استشهادهم يقام».

جرح لا يلتئم

طلقات عدة من الرصاص اخترقت جسد كل من الرئيس حسن عثمان والمستشارين: عماد شهاب، وليد هرموش والمحامي العام لدى النيابة العامة الاستئنافية القاضي عاصم أبو ضاهر، كانت كفيلة بأن تخطف نور البهجة من عائلات كل هؤلاء الشهداء لتطبع ندبة اللوعة والحزن في قلوبهم، ولأنه وبحسب أحد ذوي عائلات الشهداء «لا نستطيع أن نبوح بمشاعرنا لغيرنا»، آثرت هذه العائلات التمسك بالصمت، «فالجرح عميق جداً ومن الصعب علينا أن نعبر عنه ببضع كلمات، ولقد سبق أن رفعنا الصوت عالياً ولكن من دون جدوى، وما يضاعف قلوبنا حزناً هو عدم التوصل حتى إلى أي نتائج ملموسة»، علماً بأنه منذ حوالى شهرين ونصف شهر قامت أرامل الشهداء بزيارة المحقق العدلي الجديد الذي أكد لهنّ بأن التحقيق جارٍ بجدّية من دون أن يقدم معطيات أو وقائع جديدة تتعلق بهذا الملف. فهل سيتوصل القضاء إلى خيوط ما في هذه الجريمة أم سيظلّ هذا الملفّ لغزاً ويذهب دم الشهداء هدراً، مصيرهم كمصير غيرهم الكثير من شهداء لبنان؟